محمد أبو رمان

لو كانوا يعلمون؟!

تم نشره في الخميس 4 آب / أغسطس 2011. 02:00 صباحاً - آخر تعديل في الخميس 4 آب / أغسطس 2011. 02:47 صباحاً

ليس من باب الشماتة، بل من قبيل العبرة والعظة للبقية، فإنّ مشهد الرئيس المصري السابق محمد حسني مبارك ونجليه وراء قفص الاتهام، بهذه الصيغة المذلة، وهو مسجّى على السرير، وإلى جانبه بعض كبار المسؤولين، صورة هزّت العالم أمس، وقرعت قلوب الجميع، وسيكون لها ما بعدها، كما كان هنالك ما قبلها!
ليس أمراً طبيعياً في العالم العربي، ولا في تاريخنا أن نرى حاكماً يطاح به سلمياً وشعبياً، فإذا كان هنالك تغيير فعبر انقلاب عسكري أو تدخل خارجي أو حروب داخلية، أو صراعات على الحكم، كما كان يحدث في الخبرة التاريخية العربية.
أمّا أن يؤتى بالزعيم السابق ليحاسب ويحاكم مع زبانيته على أعماله وأفعاله التي ارتكبها أمام القضاء، وتبلى الأسرار وتنشر الصحف، فهي ساعة لم يكن ليتوقعها حاكم عربي قبل العام 2011، ولا في الكابوس، أو حتى يتصورها في يوم من الأيام، ولو أنه فعل ذلك، لما وصلنا إلى هذه الحال من الاستبداد والفساد والاستهتار بكرامة الشعوب وحقوقها وحرياتها وثرواتها، ولما تعاملوا مع دولهم كمزارع وشعوبهم كـ"عمال مياومة" عندهم!
هي، بلا شك، ساعةٌ لم تكن واردة لا في حسابات الشعوب، ولا الأنظمة، وهو ما حدث، تحديداً مع مبارك، الذي ظن أنّ الأمر إما يأتي من الجيش، فأفسد كبار قادته وتلاعب به حتى يضمن ولاءه المطلق، أو من الخارج (كما حدث مع صدام) فوثّق علاقاته بالغرب وأميركا، بل وكان يمهّد لتسليم ابنه عبر صفقة مع إسرائيل أيضاً.
صورة المحاكمة أمس تتجاوز الدلالة السياسية المباشرة، على أهميتها، لتضرب فيما هو أهم من ذلك، أي البنية الشعورية والثقافية لدى المواطنين العرب، الذين لم يألفوا هذا المشهد ولم يتوقعوه في يوم من الأيام، بعد أن كانت الثقافة السائدة تحرّم الاقتراب حتى من الحكومة ونقدها، فما بالك بالحاكم الذي يُلبس ثوب القداسة والعصمة، فـ"لا يسأل عما يفعل"، ويتمسّح الجميع به، ويحظى بمقام أعلى من البشر المحاسبين المسؤولين وكأنّه "نصف إله"!
ليس بعيداً عن مصير مبارك سيكون مآل زين العابدين بن علي حاكم تونس السابق، فقد وجهت إليه تهم بالفساد تتعلق بتشكيل "عصابة من المفسدين" ونهب أموال البلاد وأراضيها. وهو تعبير دقيق (عصابة)، فلم يعد النظام الرسمي العربي اليوم، على صيغته الراهنة، يحظى بأي نوع من أنواع الشرعية السياسية، وباتت الأمور واضحة تماماً، ووجهة الصراع بادية للعيان بين شعوب تريد استرداد حرياتها وكرامتها وعصابات تملك القوة والسطوة تحول دون ذلك!
مشهد المحاكمة مهم جداً في هذه اللحظة إذ يمنح قوة دفع كبيرة للثورات العربية الشعبية، ويعزّز من إصرار الثوار على إنجاز المهمة وتجاوز العقبات وإسقاط الرؤوس اليابسة التي أصرت على إراقة الدماء، ولو بعشرات الآلاف، مع أنّها باتت تعلم، علم اليقين، أنّ حكمها لن يعود، ولن تنعم بعد اليوم بشعوب نائمة خاملة، تتقن فنون التصفيق، ونخب مجبولة على التزلف والنفاق!
باختصار؛ ذلك زمن انتهى، ومحاكمة "الريّس" تسدل الستارة عليه، وما فيه من مفاهيم التقديس والعظمة والأبهة، لتعلن البدء بمشهد جديد عبر ثورة في المفاهيم والثقافة، فلا بيعة ولا رعية ولا قدسية، بل عقد اجتماعي ومواطنون ومحاكمة وتداول سلطة، وشعوب متربصة بالفاسدين.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لو كانوا يعلمون؟ (علي)

    الخميس 4 آب / أغسطس 2011.
    ليس من باب الشماتة،لكن لا يوجد انسان في الأرض فوق المسأله فالحاكم انسان و كل انسان خطاءولاعصمة لحاكم فالعصمة للنبي وهم ليسواانبياء و يجب محاكمتهم فالتقديس والعظمة لله فقط، و على الشعوب ان تتعلم ان الوطن و الحريه اهم من الأنظمة و الحاكم، فلا بيعة ولا رعية ولا قدسية، بل عقد اجتماعي ومواطنون ومحاكمة وتداول سلطة، وشعوب متربصة بالفاسدين.
  • »لماذا لا يوفروا كرامتهم؟ (ابو خالد)

    الخميس 4 آب / أغسطس 2011.
    نتمنى ان يتعض الاخرون يا دكتور محمد ويوفروا كرامتهم ودماء شعوبهم,فلا زالت ألانظمة السورية والليبية واليمنية سادرة في غيها وتبطش بأبناء شعبهاوكأن ما يجري في مصر او ما جرى في تونس هم معصومون من أن يحدث لديهم.رغم كل اجرام زعمائنا الا اننا والله لا نقبل لهم هذه النهايات الموغلةفي البشاعة,فمن رئيس يشنق في اول ايام العيد الى رئيس هارب الى رئيسين مطلوبين الى المحكمة الجنائية الدولية الى رئيس محروق الوجه واخيرا وليس اخرا,الى رئيس طاعن في السن مسجى على سرير المرض في قفص الاتهام.هل لاحظت وجه الشبه بين محاكمة صدام من قبل الامريكيين ومحاكمة مبارك وأبنيه من قبل المصريين؟
  • »الربيــع يـؤتــي ثمـــاره (خالــد الشحــام)

    الخميس 4 آب / أغسطس 2011.
    من يجلس اليوم في القفص الجمهوري ليس مواطنا مصريا شغل منصب الرئيس ويتهم ببعض الجنح والجنايات والتقصير ، من تتم محاكمته هناك هو مرحلة وتاريخ من الكيان الصهيوني وحلقة من حلقات التآمر الصهيو-أمريكي التي أوغلت عميقا في تغيير عقلية المنطقة وتطويع الطرق أمام الغزاة القدماء الجدد ، نائب من نواب الاستعمار اللامنتهي تتم محاسبتها ورد الهزيمة لنحرها وعقليتها بأبسط الطرق وبأقل القوى شأنا ، ولذلك ليس من المستغرب كل ذلك الوقوف والدفاع المستميت من أعداء الأمة الجدد لمنع مثل هذه المحاكمة ، ولهذا السبب أيضا ليس من المستغرب أننا كعرب على اختلاف بلادنا نتعاطى حالة من النشوة الفريدة بمثول هذه المرحلة أما القضاء الذي انتصر فيه شعب مصر لصالح أمة العرب ، الرموز التي تحملها المحاكمة فيها قدر كبير من الدروس على الصعيد الفردي والجمعي ، ففي ظل العقد النفسية التي نعيشها كعرب بفضل حكام كهؤلاء يمكن أن نقول أن هذه المحاكمة ليست مجرد إنتصارإضافي تحققه الثورة المصرية بل هي أيقونة النهاية ونذيرالشؤم على بقية العصابة في الوطن العربي التي تنتظر دورها وتؤمن بمناعتها الحصينة وخاصة الذين دفعوا بكل قواهم لمنع حدوث مثل هذه المحاكمة ، كلنا أمــل أن تكون هذه نافـذة جديدة تنقلنا من الواقع الوهمي إلى الحـــلم الحقيقي وترجع لنا شيئا من حقوقنا التي أهدرت لزمن طال عليه الأمـــد.
  • »ولسوف يعلمون! (نورا جبران)

    الخميس 4 آب / أغسطس 2011.
    إذا كنا ندين لبوعزيزي ومن ثار في تونس لإشعال فتيل الثورات العربية، وتحريك الماء الراكد عقودا في وعي الشعوب العربية ولاوعيها، فستدين الأجيال القادمة من شعوبنا قرونا لهؤلاء المصريين الأحرار الذين أصروا على البقاء في "التحرير" حتى يدخل أحد كبار طغاة الأنظمة وفاسديها القفص! القفص الذي كان مسجى فيه خلف محاولات نجليه إخفاءه عن العيون والعدسات، ومحاولتهم المتاجرة واستعطاف الخلق بحمل نسخ من القرآن الكريم، وادعاء العجز، لينزع هذا المشهد عنهم جميعا وعن كل طواغيت العالم العربي هالة القداسة والجبروت الذي لا يُطال، ولينبيء المشهد فعلا ببداية عهد جديد من المساءلة والمحاسبة ووضع حد لثقافة استعباد الشعوب ونهب مقدراتها، وصورة رؤساء مدى الحياة، وتوريث السلطة، واستمراء الفساد واستغلال المنصب والاستخفاف بالشعوب!
    مهما حملت هذه الثورات من سلبيات وإيجابيات، فإن ثمة أشياء ومفاهيم كثيرة انتهت، وأخرى أعيد تشكيلها، وأخرى ستحملها الأيام القادمة، وكل هذا سيعيد بلا شك بناء إنسان عربي مختلف وقادر على التغيير، فالشعوب لا تموت ولكنها إن صح القول تتحول من شكل إلى آخر!! ولو كان اليوم شبيها بالأمس لنجحت دبابات البعث في فعل ما فعلته في حماة عام 83، ولاكتفى الشباب المصري بسقوط "مبارك" وسلم مصر لحكم العسكر، وقضي الأمر!!