العودة للريعية

تم نشره في الأربعاء 3 آب / أغسطس 2011. 02:00 صباحاً - آخر تعديل في الأربعاء 3 آب / أغسطس 2011. 02:34 صباحاً

تاريخيا، كان يصنف الاقتصاد الأردني على أنه "شبه ريعي"، وذلك لأنه كان قادرا على الاستمرار في الإنفاق بصورة تتجاوز حجم الإيرادات التي يجنيها. وقد تسنى ذلك بسبب المساعدات الخارجية العربية والغربية التي استمرت بالتدفق، وإن بتباين، ضمن حسابات سياسية واستراتيجية مختلفة. لكن، ومع نهاية عقد الثمانينيات، انهار الاقتصاد الأردني بسبب تراجع حجم المساعدات واستمرار توسع الدولة في دورها الريعي، ما أدى لضرورة تبني ثلاث سياسات أساسية: ضرورة أن ترشّد الدولة إنفاقها وأن تتخلى عن دورها الريعي، وأن تنشط جهود استعادة المساعدات وزيادتها ما جعلنا نصبح من أكبر مستقبلي المساعدات الخارجية في العالم، وأخيرا البدء ببرنامج انفتاح  سياسي بهدف زيادة وعي المواطن باستحالة الاستمرار بالريعية وضرورة أن نصبح كباقي دول العالم تنفق حكوماته بقدر ما تجنيه من الشعب من ضرائب. والنتيجة كانت نجاحا نسبيا في زيادة المساعدات، وسجلا مضطربا في الانفتاح السياسي ورفع الدعم وإنهاء الريعية.
ومع اشتداد الأزمة الاقتصادية العالمية وارتفاع أسعار النفط قبل خمس سنوات، برزت الحاجة مرة أخرى لمراجعة دور الدولة الريعي. وقد تمحور النقاش العام في الأردن ضمن ثلاثة توجهات أساسية: توجه يملي ضرورة أن يستمر الأردن بسياسة الانفتاح والليبرالية الاقتصادية ورفع الدعم التدريجي، لأن هذا من شأنه أن يزيد تنافسية الاقتصاد ويجلب الاستثمارات، وأن المجتمع سوف يتأقلم تباعا مع هذا الواقع الاقتصادي الجديد؛ ورؤية أخرى عاكست تلك وتدعو لاستمرار الدولة بدور المزود الاقتصادي للمجتمع، معتقدة أن تراجعا عن ذلك سيؤدي لعواقب سياسية وأمنية مقلقة؛ ورأي أخير افترض الليبرالية على أن يكون هناك دور اقتصادي للدولة ضمن حدود مسؤوليتها الاجتماعية والأخلاقية، وهو نموذج السوق الاجتماعي الذي انتعش في ألمانيا والدول الاسكندنافية.
نقف اليوم ونحن نمر بحالة اقتصادية صعبة أمام حالة من النكران لتاريخنا الاقتصادي الحديث، ونرى عودة لمنهج الريعية الذي تعلمنا في أنى مناسبة أنه غير مستدام. ومع الإقرار بضرورات وجدوى هذا التوجه في ظل اللحظة السياسية الراهنة، إلا أنه من غير المفهوم أن يتصرف صناع القرار وكأنهم قادرون على الاستمرار بالريعية  في دولة لا تمتلك ترف ذلك. المنحة السعودية مقدرة ومشكورة، وهي إنجاز يسجل لصانع القرار، لكن لا أدري بأي وجه سنقابل الأشقاء السعوديين في العام المقبل عندما يحين وقت عجز الموازنة المقبل والمتوقع في ظل استمرار الدولة القيام بدورها الريعي الاقتصادي.
الحد الأدنى من الحكمة السياسية سيقود إلى الاعتقاد أن الوقت الآن ليس وقت العقلانية والرشد الاقتصادي، فالاهتمام لا بد أن يتمركز على الأوضاع السياسية الوطنية والإقليمية. ومع الإقرار الأكيد بذلك، إلا أننا نحذر من غياب التأكيد على تكلفة الريعية وعدم إمكانية استدامتها في المستقبل، كما ونجد أن هناك كثيرا من الغياب للإبداع في تأطير دعم الدولة بما يجعله يتموضع ضمن مسؤوليتها الاجتماعية للفئات الأقل حظا، وليس الدعم الأعمى والعشوائي للجميع كما يحدث في دعم المحروقات "للجميع" والجامعات بطلبتها الفقراء والأغنياء على حد سواء.

mohammed.momani@alghad.jo

التعليق