منار الرشواني

أبعد من محاربة الفساد

تم نشره في السبت 30 تموز / يوليو 2011. 02:00 صباحاً

يبدو "الفساد" في الحراك الإصلاحي العربي عموماً هو ذاته "إبليس" كما صوره زكريا تامر في قصته "اليوم الأخير للوسواس الخناس".
فعقب إعدام "إبليس" بعد إدانته بأنه المسؤول عن كل ما ارتكبه البشر من رذائل وكبائر وما دونها، اختفى الشر من الأرض، وكف الناس عن ارتكاب الذنوب والآثام.. ونبتت في ظهورهم أجنحة بيضاء! وهكذا، يعتقد كثيرون، أو يراد لهم أن يعتقدوا، أن السبب الوحيد ربما لكل أوضاعهم التي تتراوح بين الصعوبة والمأساوية، والتي دفعتهم إلى الحراك والثورة بعد عقود من الصمت والقهر، هو مليارات منهوبة، وعصبة/ عصابة من السارقين الأنيقين المتنفذين. وأنه ما إن تُردّ الحقوق إلى صاحبها، وهو الشعب، ويحاكم الجناة ليكونوا عبرة لمن يعتبر، حتى تتحول بلداننا العربية إلى جنة الله على أرضه، أو هي في طريقها إلى ذلك سريعاً.. وسريعاً جداً.
ومثل هذا التبسيط والتسطيح إنما ينمّ عن عدم إدراك لأبعاد المشكلات التي تسحق مستقبل الإنسان العربي، كما حاضره، أو عدم قدرة وعجز عن اجتراح حلول حقيقية لمواجهة المستقبل من قبل من يتصدرون تظاهرات "الإصلاح" واعتصاماته وثوراته، من أحزاب وقوى سياسية وشخصيات مستقلة. ولا يغير من ذلك افتراض، أو حتى التسليم بأن الفساد هو "صندوق باندورا" وأصل كل الشرور التي تعانيها المجتمعات العربية. إذ يظل مما لا يمكن إنكاره أن طول أمد استشراء الفساد قد أنتج مشكلات في مجالات أخرى باتت تحتاج إلى معالجة مستقلة ومتخصصة، قد لا تمت بصلة إلى السعي لاستعادة كل قرش مسروق أو مختلس!
وعلى سبيل المثال، إذا كان الفساد، بكل أشكاله، هو المسؤول عن الإجهاز على الرقعة الزراعية، وصولاً بالتالي إلى الارتهان لواردات الغذاء الخارجية الخاضعة، كثيراً أو قليلاً، لكارتيلات عالمية تتحكم بالأسعار المتصاعدة؛ فهل نتوقع أن يكون الحل لأمننا الغذائي المهدور بإزالة آلاف المباني لاسترجاع الأراضي المقامة عليها والتي كانت زراعية يوماً ما؟! أم أن مثل هذا الحل يتأتى ببرنامج اقتصادي واقعي قائم على الاستثمار الأمثل للموارد المتبقية وتعظيمها، بل وخلق موارد جديدة، على النقيض مما نشهده حالياً من "شعارات" فارغة المضمون من قبيل فك الارتباط مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وغيرها، من دون أي حديث عن طريق بديلة، مع أن كل دول العالم إنما سيقت إلى المؤسسات الدولية قسراً بعد أن استنفدت كل بدائلها؟!
وفي ذات السياق، يمكن القول إن الحديث عن محاربة الفساد يكاد يخفي فساداً آخر، لا يمكن معه أن تُجنى أي من ثمار الإصلاح. ويكفي هنا المؤشر الأبرز المتمثل في الانفجار السكاني الذي تشهده كل البلدان العربية تقريباً. فرغم أن هذا الانفجار "يأتي على الأخضر واليابس" حرفياً، ويجهز –وسيجهز- على كل جهود محاربة الفقر والارتقاء بالتعليم والصحة وغيرها من النتائج النهائية المتوخاة من أي إصلاح، رغم ذلك، فإن أحداً من المعنيين، ولاسيما الإصلاحيين المتدينين، لا يريد أن يتحدى، بشكل صريح، فهماً خاطئاً عن الفرق الشاسع بين "تنظيم النسل" الذي بات ضرورياً لا مفر منه، وبين "تحديد النسل". فهل أن الأمر فساد فهم للدين، أم فساد إرادة وجرأة؟  
في الحديث عن الإصلاح المفتقر إلى برنامج حقيقي، اقتصادي واجتماعي وثقافي، مواز لبرنامج إصلاح سياسي بالضرورة، ثمة لعب على العواطف والأمنيات يرفع سقف التوقعات ويزيد بالتالي احتمالات الانفجارات الاجتماعية المتواصلة، حتى مع تغير حكومات وأنظمة. فيما الإصلاح الحقيقي يحتاج رؤية حقيقية وواقعية، معززة بالصدق والمصارحة، لاجتياز عنق الزجاجة فعلاً، وليس تحقيق مكاسب حزبية وفئوية وشخصية، وعلى حساب المواطنين مرة أخرى.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ابليس اللعين وعدم قابليته للفناه (د.هاني عبدالحميد)

    السبت 30 تموز / يوليو 2011.
    بعد ان تم له ذلك بوعد من الخلق جل شانه اخذ على عاتقه افساد بني البشر الى يوم الدين ولما عم الفساد على سطج كوكبثا هذا ثنت اث هذا اللعين اصبح مسيكنا يمكنه الافادة من خيرة بني البشر الفائقة الجودة في هذا المجال ولا تظن امة مهمها علا شانها او صغر انها تستطيع التقدم خطوة واحدة الى امام دون وضع حل جذري لافة العصر هذه واللبيب بالاشارة يفهم.