علاء الدين أبو زينة

طرح الأسئلة الصعبة!

تم نشره في السبت 30 تموز / يوليو 2011. 02:00 صباحاً

كان البيت الأبيض قد خصص للصحفية التي تغطيه هيلين توماس، مقعداً كُتب عليه اسمُها في الصف الأمامي من قاعة المؤتمرات، لكن إدارة بوش نقلت مقعدها إلى الصف الخلفي، ولم تتح لها طرح أسئلتها الواخزة التي كثيراً ما أحرجت الرئيس وناطقيه الإعلاميين. وقال المشاركون من الصحفيين والساسة الأميركيين في برنامج وثائقي عن الصحفية البارزة، إن الرؤساء كانوا يخافون هيلين توماس، لسبب بسيط: إنها تفعل بالضبط ما ينبغي أن يفعله الصحفي؛ طرح الأسئلة الصعبة.
طرح الأسئلة الصعبة، عمَلٌ يفعله الصحفيّون لدينا كل يوم وفي كل دقيقة، وإنما بطريقة مختلفة، وعلى جهة مختلفة. هنا يسأل الصحفيون أنفسهم: ما الذي أستطيع أن أنشُره، فلا يثير غضب أحد ولا يستفز مشاعر أحد؟ كيف أستطيع أن أظلّ مقبولاً كجهة موثوقة لدى قُرائي، في الوقت الذي أدير فيه وجهي عن الحقيقة، أو أذكُرَ الحقيقة كما يريدها النافذون ومن زاويتهم، أو حتّى أن أضطر إلى تزوير الحقيقة نتيجة فعل أمر؟ كيف أوازن بين أخلاقياتي الشخصية والمهنيّة، وبين حاجتي إلى الذهاب يومياً إلى عمل أحبّه، وأستطيع الاحتفاظ به بشرط خيانته بالتحديد؟
والجواب الغالب لهذه الأسئلة الصعبة: ينبغي، ببساطة، أن لا أعمد إلى طرح الأسئلة الصّعبة. وقد شاهدت في البرنامج عن هيلين توماس واحداً من الأسئلة الصعبة، حين سألت الرئيس بوش في حقبة الحرب على العراق، وعلى الملأ: "خضتَ حرباً في العراق قتلت الآلاف من العراقيين والأميركيين، لأسباب تبين أنها مزيفة وغير حقيقية، ونريد أن نعرف ما هو الدافع الحقيقي وراء خوضك هذه الحرب؟".
ولا بُدّ أن يكون الذين شاهدوا البرنامج قد لاحظوا حَرج الرئيس الذي حاول أن يجيب بدبلوماسية، وبطريقة لم تقنع أحداً. أمّا الأهمّ من طرح السؤال الصّعب والدوامة التي أثارها في العقل الاجتماعي، فهو أننا لم نَسمع باعتقال هيلين توماس في القاعة، أو على باب القاعة أو في منزلها. وكان نَقل مقعدها إلى الخلف هو أقصى عقوبة استطاعها الرئيس وتياره اليميني، والذين عرّضوا أنفسهم لنقد شديد، حتى جاء رئيس جديد وأعاد هيلين توماس إلى مقعدها في الأمام.
قصّة هيلين توماس تثير غيرة الصحفي، لأنّها تبيّن كم يُمكن أن تجعل هذه المهنة من صاحبها شخصاً مُهمّاً ومؤثراً، فقط لأنّه صريح ومباشر وغير موارب بالتحديد. كما تطرح قصّتها مجدداً مسألة علاقة الأخلاق الصحفية بفكر نظام الحُكم. ومع أنّنا نجلد الصحفيين هنا على إجابتهم عن الأسئلة الشخصية الصعبة أعلاه بطريقة تجنُّب طرح الأسئلة الصعبة على المسؤولين (صفة تستوجب التوقف عندها في صلتها بالسؤال)، فإنّ المسؤولين هنا هم الذين يضعون الأسئلة، والإجابات، وقد يحددون الصفحة والمساحة في كثير من الأحيان. وبهذه الكيفية، لا يجيب الإعلام عن أيّ أسئلة ولا رغبة في معرفة، وإنما يُمارس الدعاية ونشر الإعلانات الترويجية للنافذين.
إذا كانَ حُسنُ السلوك هُنا يرتبط بالطاعة؛ بتحييد القناعات الفردية وتسويد منطق "مشّي حالك عشان تعيش"، فإنّنا نحكم على مجتمعنا، بكل أطرافه، بأن يكون غير أخلاقي. وفي حين نتحدّث عن الاختراقات الأخلاقية في الانحرافات الفردية العادية، فإننا نُهمل الأخلاق العليا المتمثلة قطعاً في تعزيز مسؤولية الفرد عن سلوكياته. وفي حالة "المسؤولين" فإن السلوكيات لا تكون ذات مردود شخصي، وإنما تحدد إلى حدّ كبير مصائر الآخرين، والأمة كلها في نهاية المطاف. لذلك بالضبط يجب أن يجيب عن الأسئلة الصعبة. ولذلك يَجب أن يتاح للصحافة شأن الانسجام والتساوق مع حقيقتها الأصلية، بأن تطرح الأسئلة الصعبة.
امتد عُمر هيلين توماس الآن إلى قرابة القرن، متمتعة بكامل الصحو الذهني وبروح الاستمتاع والمرح بالمهنة. وما يزال لسانها لاذعاً ولا يبدو أن لها تعارُفاً قريباً مع الخوف. وأتصوّر لو كانت هيلين هنا، إذن لانقصف عُمرها المهني في بواكيره غالباً بسبب المسؤولين الذين لا يريدون أن يكونوا "مسؤولين"؛ إن لم تكُن قد غادرت الحياة كمَداً واختناقاً بالأسئلة الصعبة.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »عالم حر؟ (ابتسام خرما)

    السبت 30 تموز / يوليو 2011.
    النتيجة واحدة تقتل الشعوب للحفظ على الكرسي
  • »هيلين توماس (بائع الورد)

    السبت 30 تموز / يوليو 2011.
    المسؤول الحقيقي في إي مكان على سطح هذا الكوكب لا يخشى الأسئلة الصعبة لأن كل ما يفعله يكون مخطط له ويكون بإرادة شعبه .. الأقوياء الصادقين فقط هم من يرحبون بالصحافة والإعلام الحر لأن لديهم أجوبة واضحة لكل سؤال صعب .. ولكن علينا أن لا ننسى أن للصحافة والإعلام أيضاً سهام مسمومة ومشارط تقطر زيفاً.. فكل مسؤول له صحيفة تدافع عنه وفضائية تنادي بمبادئه .. بمعنى أننا أصبحنا لا نعرف أين نوجه وجوهنا نحو مسؤولين مزيفين أم نحو صحافة وإعلام مشوهين ؟؟ لقد أصبحنا ندور في دوامات من الزيف نتخبط بين أركانها .. نحن نحتاج إلى وقفة وصمت .. فالتسارع الذي نعيشه جعلنا نفقد البوصلة .. فكم من شريف انزلق في دروب الزيف ظناً منه أنها الحقيقة .. وكم من حقيقة ضاعت واندثرت نتيجة التراشق بين المسؤولين والإعلام والصحافة المعاديه لهم .. فالفكرة تبدأ بمبدأ براق وتنتهي بمحاولة الانتصار للنفس والانتقام ..
    تقديرنا لقلمك .. وصباحك معطر بالياسمين