أميركا والإخوان

تم نشره في الخميس 28 تموز / يوليو 2011. 02:00 صباحاً

ليست جديدة تلك الاتصالات التي يجري الحديث عنها بين حركة الإخوان المسلمين والولايات المتحدة، لكن الجديد هو ذلك الاعتقاد أن الاتصالات الحالية مختلفة بسبب الظروف الإقليمية السائدة، ما يرشحها لتكون أكثر جدية، وقد تقلب معادلات الدعم الدولية التقليدية في الإقليم التي ساندت في جلها السلطات السياسية المحافظة على الاستقرار الإقليمي والمصالح الغربية. واستهجان الرأي العام لهذه الاتصالات كان وما يزال يتمحور ضمن رؤيته على أنها ازدواجية ونفاق من قبل حركة الإخوان المسلمين التي رسخت شيطنة الغرب وأميركا كأحد أهم أركان خطابها السياسي التعبوي.
بالنسبة للإخوان، منطق الاشتباك السياسي مع أميركا مبني على فهم براغماتي بحت لدورها في الإقليم وليس على أسس التلاقي المبدئي معها. هذا المنطق يتمأسس على حقيقة أن لدعم أميركا للأنظمة في الإقليم الدور الأساس في مدّ هذه الأنظمة بالقوة التي ساعدتها على الاستمرار وتحجيم الحركات الإسلامية، فإذا ما شعرت أميركا أن الحركات الإسلامية ستحافظ على الاستقرار، الذي هو مصلحة غربية عليا، أمكن لها التفكير بتقليل الدعم للأنظمة، ما سيعطي الحركات الإسلامية فضاء سياسيا للنمو والتنفس.
أميركا بالمقابل، ومن زاوية براغماتية أيضا، تفتح خطوط النقاش والتعارف مع من سيزداد حكما دورهم السياسي الإقليمي في ضوء الأوضاع الإقليمية السائدة وما بعدها. لكن هذه البراغماتية تملي ضرورة عدم التخلي عن حلفاء الأمس الذين تلتقي معهم مصلحيا، وقيميا في كثير من الأحيان، بل وتتشارك معهم بمنظومة من الاعتماد المصلحي المتبادل، وتملي أيضا ضرورة أن لا يشطح الإخوان ويعتقدوا أنهم سيكونون قادرين لمجرد محادثتهم لأميركا على قلب معادلات الإقليم السياسية والأمنية.
التفاهم بين أميركا والإسلاميين محكوم بالفشل ما دام التنافر السياسي والمصلحي الاستراتيجي والقيمي على أشده، ومغامرة تحليلية الاعتقاد بغير ذلك. فالتفاهمات، أيا كان نوعها، مرشحة للانهيار أمام أول عقبة أو موقف قد يختلط فيه الاستراتيجي مع التكتيكي والقيمي مع البراغماتي، وما أكثر أنواع هذه المواقف في الشرق الأوسط. الحركات الإسلامية يجب أن تدرك أنها إذا ما غيّرت أو استعدت لتغيير مواقفها التي جعلتها بنظر أميركا والغرب عدوا يجب مواجهته وتحجيمه، فستجد أنها ستكون لاعبا سياسيا مرحبا به من قبل الدول التي قمعتها وحجمتها. التفاهم البراغماتي غير مستدام إذا لم يتمأسس على قاعدة من الرؤية المشتركة للإقليم وقضاياه، فإذا ما تم ذلك، ونستبعد أن يتم بالنظر لحجم الفجوة بين الرؤيتين الأميركية والإخوانية، فستكون الحركات الإسلامية بديلا عمليا مرحبا به في كثير من دول الإقليم، ونكون قد اقتربنا أكثر من أي وقت مضى لاجتراح نموذج أردوغاني إسلامي أو على الأقل مغربي إسلامي اعتدل فيه الإسلام السياسي لحدود جعلته بديلا واقعيا ومحبذا من قبل دول الإقليم التي ذاقت ذرعا بنخبها المتآكلة والفاسدة غير القادرة على الإنجاز وغير المقنعة للرأي العام.

[email protected]

التعليق