الاعتراف السوري بالدولة الفلسطينية

تم نشره في الأحد 24 تموز / يوليو 2011. 02:00 صباحاً

في معرض نفيه حدوث أي فتور في علاقة دمشق بحماس، جراء إحجام حركة المقاومة الإسلامية عن التماثل مع حزب الله في الموقف المعيب من الثورة الشعبية، قال وزير الخارجية السوري وليد المعلم، لا صحة لذلك وإنه هو الذي نقل هاتفياً إلى السيد خالد مشعل خبر اعتراف سورية بالدولة الفلسطينية، فكان رئيس حركة حماس هو أول من تبلغ هذا النبأ عشية صدوره رسمياً، وقبل معرفة السلطة الوطنية به عبر الوسائل الإعلامية.
     ومع أن الوزير السوري الذي ينفي وجود أزمة في بلاده، والذي شطب أوروبا عن الخريطة قبل عدة أيام، لم يقل لنا كيف تلقى مشعل هذه الهدية التي لا تخدم الخطاب السياسي للفصيل الذي يتبنى تحرير فلسطين من البحر إلى النهر، إلا أنه يمكن الافتراض أن زعيم حماس، الذي غادر دمشق سياسياً رغم وجوده المادي فيها، رد شاكراً مثل هذه اللفتة، ثم راح يتأمل طويلاً في مغزى توقيتها المثير لعلامات الاستفهام والتعجب.
     ومن المرجح أن مشعل الذي غاب عن المشهد الدمشقي المحرج، شأنه شأن معظم القيادات والكوادر الفلسطينية، قد تفاجأ بهذا الاعتراف الذي حجبته سورية عن منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية مدة نحو ربع قرن، رغم اعتراف سائر الدول العربية (باستثناء لبنان لأسباب مفهومة) ومعها أكثر من مائة دولة أخرى بإعلان المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر عام 1988 عن قيام دولة فلسطين في حدود الرابع من حزيران 1967.
     وكان لافتاً أن المخاطبين بهذا الاعتراف السوري المتأخر، وحركة حماس ليست بينهم، لم يهللوا لهذا التطور المفاجئ في موقف دولة الممانعة المأزومة، حيث مرت عليه القيادة الفلسطينية مرور الكرام قائلة في نفسها: إنه إذا لم يكن هذا الاعتراف نافعاً فلن يكون ضاراً، فيما تجاهلت الولايات المتحدة وإسرائيل، وهما الطرفان المخاطبان أساساً بهذا الانزياح العقائدي عن مفهوم فلسطين التاريخية، الرسالة التي بعثت بها دمشق لهما في لحظة مصيرية حرجة.
     وإذا كان السيد محمود الخالدي مدير مكتب منظمة التحرير في دمشق منذ نحو أربعين سنة، قد استحسن هذا الاعتراف الذي جعل منه سفيراً معتمداً للسلطة الفلسطينية في العاصمة السورية، فإن كثيراً من أصدقاء أبو عماد هذا، قد أدهشهم انقلاب النظام السوري على موقفه الذي ظل يعارض فيه السلطة الوطنية بلا هوادة، ويهاجم كل تعبيراتها، ويمنع حاملي جواز سفرها المعترف به عربياً ودولياً من الدخول، أو حتى المرور عبر الأراضي السورية.
     لقد شبه أحد الأصدقاء ذات يوم عداء سورية للسلطة الفلسطينية بعداوة المسلمين الأوائل لأصنام الجاهلية في البيت العتيق بمكة، حيث ذكر لي أنه عندما قررت الأمم المتحدة عام 1994 نقل مقر الأونروا من فيينا إلى غزة، دعماً لقيام السلطة الجديدة، لم يعترض على هذا القرار سوى دولتين فقط، إحداهما كانت إسرائيل، فيما كانت الثانية التي اقترعت إلى جانب بقاء وكالة الغوث في العاصمة النمساوية هي سورية وليست الولايات المتحدة كما جرت العادة.
     لهذا جاءت ردود الفعل الفلسطينية على هذا الاعتراف المشكوك في دوافعه الحقيقية، أقل من حدود المجاملات الاعتيادية، بل كاد الخبر يسقط من على صدر الصفحات الأولى للجرائد الصادرة في القدس ورام الله، خصوصاً وأن الذاكرة العامة ما تزال مسكونة بفيض من الألاعيب السورية بالورقة الفلسطينية، وكان آخرها دفع فتية من أبناء المخيمات في سورية للموت مجاناً على حدود هضبة الجولان في ذكرى يوم النكسة، إنفاذاً لتهديد رامي مخلوف بقلقلة أمن إسرائيل إذا ما اضطرب الأمن في محيط العائلة الأسدية.
     على أي حال، فإن هذا الاعتراف الذي تم إرساله إلى العنوان الخطأ، وجرى توقيته في الوقت الخطأ أيضاً، والتبس مغزاه على كل المخاطبين به، يقدم دليلاً إضافياً على مدى عمق المأزق الذي يعيشه نظام تتآكل شرعيته، ويواصل فقدان دوره، ويلعب يائساً بما تبقى من أوراقه. وقد يكون إهداء هذا الاعتراف لحركة حماس هو من قبيل توريط الحركة التي لم يعد لها ما تفعله في دمشق، للبقاء حيث هي، كخرزة زرقاء في تحالف ذي لون مذهبي واحد، ترد عنه عيون المتشككين أصلاً بفحوى هذا الاصطفاف، وتستر عورة ما كان يسمى بمعسكر الممانعة.

[email protected]

التعليق