ثورة "فقراء النخبة" في إسرائيل

تم نشره في الأربعاء 20 تموز / يوليو 2011. 03:00 صباحاً

تجري في إسرائيل تحركات شرائح محدودة على خلفية استمرار غلاء الأسعار. ولكن في إسرائيل، كما هو دائما، كل شيء مقلوب وخارج عن المألوف في المجتمعات الأخرى. فالفقراء الحقيقيون لا يقوون على كسر الصمت رغم نسبتهم المرتفعة، ولهذا نرى أن الاحتجاجات تأتي من "شرائح النخبة"، التي بدأت موجة ارتفاع الأسعار تطاولها. فقبل أكثر من شهر، ارتفعت أسعار الجبنة المصنعة "الفاخرة"، وفي الأيام الأخيرة تذكرت مجموعات إسرائيلية إطلاق حملة "شعبية" ضد أسعار البيوت التي تواصل ارتفاعها منذ أكثر من عامين، وفاقت 30 %.
والمقصود في الحديث هنا المجتمع الإسرائيلي، وليس فلسطينيي 48  مثلا، جمهور الضحية الأكبر للسياسة الاقتصادية التي تلازمها سياسة التمييز العنصري.
فإسرائيل التي تبدو للبعض وكأنها من الدول المتطورة في العالم، فيها حسب تقارير دولية تصدر تباعا، أكبر الفجوات الاجتماعية. ففي حين يجري الحديث عن معدل رواتب يقارب 2500 دولار، فإن 70 % من الأجراء لا يصلون إلى هذا المعدل، و50 % من الأجراء يتقاضون في حدود 1530 دولارا، ما تعتبر رواتب فقر، نظرا لتكلفة الحياة الباهظة جدا، فسلة المشتريات والمصروفات لعائلة من خمسة أفراد في مدينة تفوق تكلفتها 4500 دولار.
وعلى الرغم من أن الاقتصاد الإسرائيلي سجل في السنوات الأخيرة معدلات نمو عالية مقارنة مع دول متطورة، وحتى في أوج الأزمة الاقتصادية العالمية، فإن أسعار المواد الغذائية الأساسية وتكلفة المعيشة واصلت ارتفاعها بنسب عالية. ورغم ذلك فإننا لم نشهد "ثورة فقراء" حقيقية في المجتمع الإسرائيلي. ولهذا أسبابه التاريخية، وفي أساسها أن المجتمع الإسرائيلي بني على أساس الترهيب من "العدو الخارجي" بموجب مقولات: "كل العالم ضدنا"، و"نجوع من أجل الأمن"، وغيرها.
وهذا "الجوع" من نصيب الغالبية السكانية، ولكن في الوقت نفسه هناك من حقق ثروات ضخمة جدا، خاصة على ضوء سياسة الخصخصة واتساع رقعة الاحتكارات، فحوالي 70 % من الاقتصاد الإسرائيلي مملوك من 24 عائلة، منها 7 عائلات تحتكر النسبة الأكبر. وعلى الرغم من هذه الحقائق، فإن هذا لا يدفع إلى تغيير النهج القائم، أو يدفع نحو انقلابات اجتماعية، في مجتمع قائم على العسكرة والتخويف.
فقبل نحو شهر، وبعد رفع الرقابة على أسعار أصناف الجبنة المصنعة، ارتفعت أسعار أحد أصناف الجبنة، التي هي أساسا من نصيب موائد الشرائح الوسطى وذوي المداخيل العالية، أما العائلات الفقيرة فهذه الجبنة بالنسبة لها حلم. وكانت الأسعار قد ارتفعت بحوالي 20 %، أي حوالي دولار واحد، لعلبة يقل وزنها عن 500 غرام، فهبت عواصف أشغلت المؤسسة والحكومة ووسائل الإعلام، وكان حجم الحملة أبعد من المنطق لهذه الحالة العينية، ونجحت الحملة في إعادة الأسعار إلى سابق عهدها. وفي هذه القصة كلها، بقي جمهور الفقراء الحقيقي خارج المشهد.
وفي الأيام الأخيرة، نهض الجيل الشاب في مدينة تل أبيب ومنطقتها الكبرى بحملة احتجاج على ارتفاع أسعار البيوت، رغم أن الأسعار ترتفع باستمرار منذ أكثر من عامين، وفي الآونة الأخيرة هناك شبه جمود في الأسعار، واختار الآلاف افتراش ساحات تل أبيب المركزية، مطالبين بتخفيض أسعار البيوت.
وأيضا في هذا المشهد، فإن الشرائح الفقيرة الحقيقية بقيت خارج المشهد الاحتجاجي، لأنه أصلا لا يطاولها، فهي بغالبيتها الساحقة تسكن في مساكن شعبية ضيقة في إيجار شبه حكومي محمي، ولهذا بقيت الحملة تقتصر على شرائح النخبة، أو الفئات العليا من الشرائح الوسطى.
بعد بضعة أسابيع سيبدأ موسم الأعياد العبرية، وسنبدأ برؤية طوابير تضم عشرات آلاف الذين يعيلون مئات الآلاف، يطرقون أبواب الجمعيات الخيرية سعيا للحصول على رزم غذائية مجانية. وهي طوابير تمشي ببطء وبصمت كبير، ولن تجد هناك صخبا إعلاميا وثورة فقراء حقيقية.
فمن يشاهد على شاشات التلفزة في هذه الأيام حملات الاحتجاج الإسرائيلية، عليه أن لا يقع في وهم اقتراب "ثورة شعبية" في إسرائيل، وهذا هو الانعكاس المباشر لمجتمع عودته المؤسسة الحاكمة ومن يقف  خلفها، على أن يجوع ويخاف ويصمت، وأن لا يحتج حينما يرى أن صناعة الحرب الإسرائيلية تدفق الثروات الضخمة لنفر قليل جدا على حساب جمهور تمت لملمته من أقطاب المعمورة، ليعيش من "النعم" الوهمية، وبالأساس على حساب شعب فلسطيني مسلوب منهوب يواجه سياسة الموت البطيء يوميا.

barhoum.jaraisi@alghad.jo

التعليق