محمد أبو رمان

ما بعد الثورة: السلفيون والتحرير

تم نشره في الاثنين 18 تموز / يوليو 2011. 02:00 صباحاً

في مشهد غير تقليدي، في الأردن، كانت قاعة الندوات بمجمع النقابات المهنية تعجّ بالجمهور، وقوفاً وجلوساً، من أعضاء وأنصار حزب التحرير الإسلامي، يوم السبت الماضي.
بالرغم أنّني تفاجأت بهذا العدد الكبير من الحضور، وبالرغم من اختلافي الكبير مع جملة من الأفكار والتصورات التي طرحت، والقراءة التي قدّمت للثورة الديمقراطية العربية، إلاّ أنّني كنت مسروراً لأنّ الناس تستطيع أن تتحدث بحرية وتتبادل الآراء فيما بينها، وأن نسمع لوجهات نظر مختلفة، متطرفة ومعتدلة، وهو ما يقع في صلب "حق التعبير عن الرأي".
متحدثو حزب التحرير الإسلامي عملوا خلال المداخلات والمحاضرات على "توظيف" الثورات العربية باعتبارها مقدمات وخطوات نحو تحقيق الهدف الأسمى لهم، وهو إقامة الخلافة الراشدة. إلاّ أنّهم قفزوا متعمدين، بالطبع، وحاولوا "لفلفة" التناقضات الجوهرية بين ما تطرحه هذه الثورات وما يطرحه الحزب من أفكار وتصورات، وعلى التصادم بين المسار الحالي وتصور الحزب المختلف للتغيير السياسي.
على العموم، فإنّ متحدّثي الحزب، جميعاً، دانوا بالمطلق الديمقراطية والمدنية والعلمانية، واعتبروا هذه المفاهيم "رجساً من عمل الشيطان"، وأكّدوا على تناقضها مع الإسلام. والمفارقة أنّ الثورات الديمقراطية العربية (من اسمها) جاءت من أجل تحقيق النظام الديمقراطي، أي الحكم المدني!  ليس بعيداً عن خط حزب التحرير تشكّلت مقاربة القاعدة والسلفية الجهادية للثورات الديمقراطية العربية، إذ اعتبر أبرز قادتها (الظواهري، وأبو يحيى الليبي، وأنور العولقي) أنّ هذه الثورات تخدم هدف "القاعدة" على المدى البعيد، من خلال التخلص من "الأنظمة العربية الحالية" التي تعادي "القاعدة"، والسماح لدعوتها بقدر أكبر من "حرية الدعوة والحركة"، وصولاً إلى تحقيق الهدف النهائي، "الدولة الإسلامية، على منهاج الخلافة الراشدة".
في دراستي الجديدة عن "السلفية الجهادية في الأردن ومقاربة الثورة الديمقراطية العربية"؛ فإنّ هنالك صفّاً قيادياً "مختلطاً" من مجموعة جديدة وتقليدية، بقيادة أبو محمد المقدسي نفسه، بدأ يطرح مفهوم "سلمية الدعوة" بقوة، وتبني رفض العمل المسلّح هنا، والقيام بمراجعة بعض أفكار التيار وفتاويه الفقهية، مثل التعلم في المدارس الحكومية، وصولاً إلى "صيغة" غير صدامية – مباشرةً- بالدولة.
التطور الجديد (سلمية الدعوة) في خطاب السلفية الجهادية لا يحمل تنازلات جوهرية في "البنية الأيديولوجية" الصلبة للتيار (الدعوة إلى الدولة الإسلامية، التشدد في الأحكام الدينية، رفض الديمقراطية وأنظمة الحكم الأخرى..)، لكنه يقدّم "ضمانات" مهمة ضد "العمل المسلّح" في الأردن.
تطور "السلفية الجهادية" لم يلق أبواباً مفتوحة من المؤسسة الرسمية، بل رُفض هذا "العرض"، ما خلق قناعة لدى أصحاب هذا "الخط الواقعي" أنّ المطلوب هو تقوية "الخط المتشدد" وليس العكس! بالضرورة، لا نتوقع أن تصل هذه الحركات، حزب التحرير والجهاديين، فوراً إلى ما وصلت إليه جماعة الإخوان المسلمين من إعلان القبول باللعبة الديمقراطية، والانخراط في الحياة السياسية بصورة مباشرة. لكن يمكن أن تكون هذه الحركات أحزاباً أو قوى محافظة لها حق التعبير عن آرائها الخاصة، كما هي حال جماعات مسيحية يمينية في الغرب.
دور الدولة، بدهياً، ليس قمع أو منع الآراء المختلفة، بل حماية حقها في التعبير. المهم أن يكون هنالك قانون ينسجم مع هذا الحق، وأن نبني جميعاً تقاليد راسخة وصلبة في احترام التعددية الثقافية والسياسية والدينية، وهي ثقافة لن تنمو بين ليلةٍ وضحاها، بل تحتاج وقتاً وتطوراً ومراحل لتنضج. إلاّ أنّ القاعدة الذهبية هي أنّ مناخات الحرية تعزز من العقلانية والاعتدال والواقعية والعكس صحيح، فما التطرف والعنف إلا نتاج مباشر للقمع والاستبداد.

[email protected]

التعليق