إنهاء الشر النووي

تم نشره في الجمعة 15 تموز / يوليو 2011. 03:00 صباحاً

ديزموند توتو*
تحول هدف التخلص من الأسلحة النووية إلى رغبة ديمقراطية لشعوب العالم. ورغم ذلك، فلا يبدو أن أياً من الدول المسلحة نووياً تستعد الآن لمستقبل خال من هذه الأسلحة المرعبة. بل إن كل هذه الدول تهدر بلايين الدولارات على تحديث قوتها النووية، فتستهزئ بتعهدات الأمم المتحدة فيما يتصل بنزع السلاح النووي وتتنكر لها. وإذا سمحنا لهذا الجنون بالاستمرار، فإن استخدام أدوات الرعب هذه يبدو حتمياً في نهاية المطاف.
لقد خدمت كارثة الطاقة النووية في محطة توليد الطاقة في فوكوشيما باليابان كوسيلة مروعة لتذكيرنا بأن الأحداث التي تصور البعض أنها غير محتملة من الممكن أن تقع بالفعل. ويبدو أن الأمر تطلب وقوع مأساة ذات أبعاد هائلة لدفع بعض الزعماء إلى التحرك من أجل تجنب وقوع كوارث مماثلة في مفاعلات نووية في أماكن أخرى من العالم. ولكن لا ينبغي لهؤلاء الزعماء أن ينتظروا كارثة أخرى بحجم هيروشيما أو ناغازاكي -أو ربما كارثة أعظم- قبل أن يفيقوا أخيراً ويدركوا الضرورة الملحة لنزع السلاح النووي.
وإذا كانت الدول المسلحة نوويا –وتحديداً الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا وفرنسا والصين- جادة في منع انتشار هذه الأسلحة الرهيبة وتجنب استخدامها، فسوف تعمل بكل نشاط وعلى وجه السرعة لإزالتها بالكامل. ولابد من تطبيق معيار واحد على كل الدول: لا أسلحة نووية على الإطلاق. إن الأسلحة النووية شر محض، بصرف النظر عمن يمتلكها. والواقع أن المعاناة البشرية التي لا يمكن وصفها والتي تفرضها هذه الأسلحة واحدة مهما اختلف العلم الذي قد تحمله. وما دامت هذه الأسلحة موجودة، فإن التهديد باستخدامها -سواء عن طريق الصدفة أو بسبب تصرف ناجم عن جنون محض- سوف يظل باقيا.
لا ينبغي لنا أبداً أن نتسامح مع نظام يقوم على الفصل العنصري النووي فيعتبر امتلاك بعض الدول للأسلحة النووية أمراً مشروعاً، في حين يرى أنه من غير المقبول بتاتاً أن تسعى دول أخرى إلى الحصول عليها. إن هذا المعيار المزدوج لا يشكل أساساً لإرساء السلام والأمن في العالم. والواقع أن معاهدة منع الانتشار النووي ليست رخصة تتيح للقوى النووية الأصلية الخمس التشبث بهذه الأسلحة إلى الأبد. وقد أكدت محكمة العدل الدولية على أن هذه الدول ملزمة قانوناً بالتفاوض انطلاقاً من حسن النوايا على التخلص الكامل من أسلحتها النووية.
إن اتفاقية ستارت الجديدة التي تم إبرامها بين الولايات المتحدة وروسيا، على الرغم من كونها خطوة في الاتجاه الصحيح، لن تتجاوز في أثرها إزالة القشرة السطحية من الترسانة النووية المتضخمة لدى خصوم الحرب الباردة السابقين، والتي تشكل نحو 95 % من إجمالي الأسلحة النووية على مستوى العالم. فضلاً عن ذلك، فإن أنشطة التحديث الجارية في هذه البلدان وغيرها ليس من الممكن أن يتم التوفيق بينها وبين الدعم المعلن لعالم خال من الأسلحة النووية.
والأمر المثير للقلق العميق أن الولايات المتحدة خصصت 185 بليون دولار لزيادة مخزونها النووي على مدى الأعوام العشرة المقبلة، فضلاً عن ميزانية الأسلحة النووية السنوية العادية التي تتجاوز 50 بليون دولار. ولا يقل عن ذلك إثارة للقلق أن تسعى وزارة الدفاع إلى إنتاج طائرات بلا طيار قادرة على حمل أسلحة نووية؛ قنابل هيدروجينية يمكن توجيهها إلى هدفها بالتحكم عن بعد.
كما كشفت روسيا أيضاً النقاب عن خطة ضخمة لتحديث الأسلحة النووية، والتي تتضمن نشر أنظمة حمل جديدة متعددة. وفي الوقت نفسه يسعى دبلوماسيون بريطانيون إلى تجديد الأسطول البحري البريطاني الذي أصابته الشيخوخة من غواصات ترايدنت بتكلفة تقدر بنحو 76 بليون جنيه إسترليني (121 بليون دولار). وبهذا يهدرون فرصة تاريخية لأخذ زمام المبادرة في مجال نزع السلاح النووي.
إن كل دولار يستثمر في تعزيز الترسانات النووية يشكل تحويلاً للموارد بعيداً عن المدارس والمستشفيات وغير ذلك من الخدمات الاجتماعية، وسرقة من الملايين من البشر في مختلف أنحاء العالم من الجوعى والمحرومين من الحصول على الأدوية الأساسية. ويتعين على الحكومات، بدلاً من الاستثمار في أسلحة الإبادة الجماعية، أن تخصص الموارد اللازمة لتلبية الاحتياجات البشرية.
إن العقبة الوحيدة التي نواجهها في محاولاتنا للتخلص من الأسلحة النووية تتلخص في الافتقار إلى الإرادة السياسية، وهي العقبة التي يتعين علينا أن نتغلب عليها. ولقد دعا ثلثا البلدان الأعضاء في الأمم المتحدة إلى إبرام اتفاقية بشأن الأسلحة النووية مماثلة للمعاهدات القائمة التي تحظر فئات أخرى من الأسلحة غير الإنسانية بشكل خاص والتي تقتل بلا تمييز، من الأسلحة البيولوجية والكيمائية إلى الألغام الأرضية المضادة للأفراد والقنابل العنقودية. والواقع أن إبرام مثل هذه المعاهدة أمر ممكن ولابد من السعي إليه على نحو عاجل.
صحيح أننا لا نستطيع أن نعيد عجلة الزمن إلى الوراء فنمنع اختراع الأسلحة النووية، ولكن هذا لا يعني أن نزع السلاح النووي حلم مستحيل. فقد تخلت بلدي جنوب أفريقيا عن ترسانتها النووية في تسعينات القرن العشرين، عندما أدركت أن حالها سوف تكون أفضل من دون هذه الأسلحة. وفي الوقت نفسه تقريبا، تخلت الدول المستقلة حديثاً، مثل بيلاروسيا وكازاخستان وأوكرانيا، طواعية عن أسلحتها النووية، ثم انضمت إلى معاهدة منع الانتشار النووي. كما تخلت بلدان أخرى عن برامج تصنيع الأسلحة النووية بعد أن أدركت أنها لن تعود عليها بأي خير. ولقد هبط المخزون العالمي من الأسلحة النووية من 68 ألف رأس في أوج الحرب الباردة إلى 20 ألف رأس اليوم.
وبمرور الوقت، سوف تدرك كل حكومة حجم التهديد الوحشي الهمجي المتمثل في محو مدن بأكملها باستخدام أسلحة نووية. وسوف تعمل من أجل تحويل العالم إلى مكان خال من الأسلحة النووية، حيث يكون الحكم للقانون وليس للقوة، وحيث يُنظَر إلى التعاون باعتباره الضمان الأمثل للسلام الدولي. ولكن مثل هذا العالم لن يتحقق إلا إذا نهض الناس في كل مكان وأعلنوا تحديهم للجنون النووي.

*حائز على جائزة نوبل للسلام، وداعم للحملة الدولية لإزالة الأسلحة النووية.
خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت.

التعليق