تصفية الإدارة الحكومية في الأردن

تم نشره في الاثنين 11 تموز / يوليو 2011. 02:00 صباحاً

ظلت الإدارة الحكومية الأردنية تحتفظ بتماسكها وقابليتها للتطوير حتى مطلع تسعينيات القرن الماضي. بعد ذلك، وتحديداً مع بداية عهد مجلس النواب الثاني عشر العام 1993، بدأت هذه الإدارة تعاني من تراجع ممنهج عندما تُركت لأقدارها تتلقى الضربة تلو الأخرى على مرأى ومسمع من الإرادة السياسية التي لم تكتف بإدارة ظهرها لها وحسب، بل راحت تنحاز لجهة من عملوا بهذه الإدارة تقطيعاً وتمزيقاً.
يستطيع المراقب أن يرى بوضوح أن اغتيال الإدارة وتحويلها إلى جثة هامدة قد جرى بفعل خمسة أخطاء.
الخطأ الأول جاء، للأسف، من مجلس النواب ابتداء من المجلس الثاني عشر الذي بدأ بالتدخل السافر في إدارة المؤسسات الحكومية بالتوظيف والنقل والترفيع وإحداث الوظائف والتعيين، وخاصة في المواقع الإدارية العليا. وقد استمر ذلك التدخل على نحو تصاعدي حتى العام 1997 بفعل الخطأ الثاني الذي رافقه من توزير للنواب وفساد في إدارات بعضهم لصالح قواعدهم الانتخابية. ثم حافظ على تصاعده بعد العام 1997 بفعل ما اكتسبه من تسارع على مدى خمس سنوات سابقة كان كل ما فيها يدفع بالإدارة الحكومية إلى التراجع.
في الفترة 1993-1997 كانت بذور الخطأين الثالث والرابع قد بدأت تنبت وتترعرع. فقد جاء الخطأ الثالث عندما بدأ في العام 1995 إخضاع الموظفين الجدد لقانون الضمان الاجتماعي، ما فتح الباب على مصراعيه لخروج الموظفين الجيدين من الوظائف الحكومية بعد اكتسابهم الخبرة إلى القطاع الخاص، ما دامت حقوق الموظف التقاعدية محفوظة تحت مظلة الضمان إن هو انتقل إلى وظيفة خارج الحكومة. أما الخطأ الرابع فتمثل في تفريخ المؤسسات المستقلة التي سحبت الصلاحيات من الوزارات المختصة، وأفلتت من رقابة مجلس النواب، وأخرجت موظفيها من مظلة الخدمة المدنية لتخلق نسقين من الوظائف ومن الموظفين باختلاف رواتبهم وعلاواتهم وحوافزهم، واستغلت ذلك لصالح أبناء المتنفذين وموظفي الواسطة والمحسوبيات.
في العام 2002 أطل الخطأ الخامس مع ما عرف بمشروع التطوير الإداري في الأردن الذي تبنته وزارة التخطيط وموله الاتحاد الأوروبي، حيث نتج عن المشروع تأسيس وزارتين؛ الأولى "وزارة تطوير القطاع العام"، والتي ما تزال قائمة حتى اليوم، وتولاها لتاريخه عشرة وزراء بمعدل إشغال وزير/ 7 أشهر، والثانية "وزارة مراقبة الأداء الحكومي" التي لم تعمر أكثر من سنتين، استبدلت بعدها بوحدة في رئاسة الوزراء ما لبثت أن ألغيت هي الأخرى. وقد بدأ المشروع بالعمل كما لو أنه قد جاء لنزع الشرعية عن ديوان الخدمة المدنية بصفته المؤسسة المعتمدة قانونياً لإدارة ومراقبة وتطوير الشأن الإداري الحكومي، ويمارس دوره من خلال مجلس الخدمة المدنية كهيئة عليا مسؤولة، وعبر نظام الخدمة المدنية الناظم التشريعي لشؤون جميع العاملين في الوزارات والمؤسسات الحكومية.
قد يكون قرار الحكومة بإعادة هيكلة الإدارة ملاذ الدولة الأخير للخروج من النفق الإداري المظلم الذي دخلت فيه. وإن كنا ننظر لهذا القرار كأهم قرار للإصلاح الإداري في تاريخ المملكة، لكن ذلك لا يجعلنا بكامل الاطمئنان إلى نجاحه، إن كان لتربص أعداء الإصلاح به، أو لهشاشة الإرادة السياسية التي يفترض أن تقف خلفه، أو لأن القرار لم يأخذ قسطه الكافي من الدراسة وقد جاء تحت ضغط الشارع، أو لصدوره في وقت غير مناسب لوضع خزينة الدولة.

التعليق