مستقبل إسرائيل رهن الثورات العربية

تم نشره في السبت 9 تموز / يوليو 2011. 02:00 صباحاً

من خيرات الثورات العربية أنها فتحت حتى شهية مراكز الأبحاث للدراسة والتحليل، وانعكس الربيع العربي على العقلية الإسرائيلية التي بدأت تُظهر رعبها مما يحدث في عديد العواصم العربية.
ففي دراسة نشرها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، كشف الكاتب صالح النعامي أنّ تفجّر ثورات التحوّل الديمقراطي في الوطن العربي قاد النّخب الأمنيّة الإسرائيلية إلى الاتجاه لزيادة موازنة الأمن، والتأكيد على ضرورة إحداث تغييرات جوهريّة في بنية جيشها.
ويشير الباحث في دراسته "نفقات الأمن الإسرائيلي في ظل الثورات العربية"، ونشرها موقع "الجزيرة نت"، إلى أنّ النخب الأمنيّة تعتبر أنّ تفجّر ثورات التحوّل الديمقراطي في العالم العربي، وإسقاطاتها المحتملة، تفرض على الكيان الصّهيوني إعادة صياغة عقيدته الأمنيّة من جديد، والمبادرة لإحداث تغييرات جوهريّة في بنية الجيش وطابع استعداداته، مّا يستدعي زيادة موازنة الأمن وإعادة صياغة مركباتها لتستجيب للتّهديدات المتوقّعة.
وينطلق النعامي في ورقته من المعطيات الإسرائيلية التي تشير إلى الآثار الإيجابية التي نجمت عن توقيع إسرائيل لمعاهدتي السلام مع مصر والأردن (كامب ديفيد ووادي عربة)، حيث ساهمتا في تحقيق الكيان الصهيوني طفرة اقتصادية هائلة، ومكّن تراجعُ مستوى التهديدات الأمنيّة على الجبهتين الجنوبية والشّرقية صنّاع القرار من تقليص النّفقات الأمنيّة كثيراً، بحيث وجّهت الموارد المخصّصة للأمن إلى الاستثمار في مجال البنى التحتيّة المدنيّة والتقنيات المتقدّمة، وغيرها من مجالات.
تخوف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بعد نجاح الثورة المصرية تعدى فكرة إغلاق قناة السويس أمام السّفن التجاريّة الإسرائيلية، بل يخشى إقدام المصريين على إغلاق مضائق تيران وتهديد الملاحة البحرية عبر ميناء إيلات، مّا يعني خنق إسرائيل تماماً.
لكن مراكز صناعة القرار الإسرائيلي تدرس باهتمام بالغ انعكاس الثورات العربية على الشارع الفلسطيني، وتتساءل لماذا لم تنجح الانتفاضات في أرجاء الوطن العربي في دفع الفلسطينيين للخروج إلى الشوارع مرة أخرى، والقتال من أجل التغيير؟ لكنها أيضاً تنظر باهتمام بالغ إلى الحملات التي لا تحصى، والتي تدعو إلى انتفاضة فلسطينية ثالثة على مواقع التواصل الاجتماعي، وتعتبر أن المسألة قد تكون فقط مسألة وقت.
في الجزء الآخر من كأس المكاسب الإسرائيلية، كان الربيع العربي بالذات فرصة لإسرائيل كي تعيد حساباتها، وتشارك في الثورة المضادة، وها هي اليوم تستعيد بعضاً من الثقة بالنفس. فالغرب مستمر في دعمها وتستقطب بعض أصحاب الربيع. وتركيا عادت إلى موقعها في الأطلسي وإلى عدائها التاريخي لإيران، وتشجع الحركات المناوئة لسورية، وتمنع سفينة مرمرة من المشاركة في الأسطول المتوجه إلى غزة، وتصعّد لهجتها ضد النظام في دمشق. في مصر، تبين أن النظام القديم ما يزال ممسكاً بزمام الأمور، ورجالاته لم يغادروا مفاصل الدولة المصرية، والقاهرة تحتاج إلى سنوات كي تستعيد توازنها ودورها الإقليمي، فضلاً عن أن السلطة الجديدة طمأنت الجميع إلى أنها لن تسعى إلى إعادة النظر في أي اتفاق مع الدولة العبرية. وأكثر من ذلك، تبين أن المخاوف من الإخوان المسلمين لم تكن في محلها، فها هم يسعون إلى الحوار مع واشنطن، ويعلنون ابتهاجهم بذلك، لذا فقد قرر شباب الثورة العودة إلى ميدان التحرير لإعادة صياغة أجندة الثورة من جديد، بعد المحاولات العديدة لإزاحتها عن خدمة المواطن المصري البسيط الذي من أجل كرامته ولقمة عيشه انطلقت الثورة، واحتضنها الشعب المصري خصوصاً، والعربي عموماً، على اعتبار أن ما يحدث في مصر سوف ينعكس فوراً في كل العواصم العربية.
لكن مهما حدث ويحدث، فإن العقل الإسرائيلي بات مرعوباً مما يقع في العالم العربي، وبعد أن خسروا على الأقل "الكنز الاستراتيجي" لهم من خلال النظام المصري الذي كان الرئيس حسني مبارك يقوم بكل ما تطلبه منه إسرائيل.

التعليق