الإنجاز وليس الجغرافيا والطبقة

تم نشره في الاثنين 4 تموز / يوليو 2011. 02:00 صباحاً

قد يفرح أي شخص أو مجموعة أو حتى كتلة اجتماعية جغرافية إذا تولى شخص منها أو من المحسوبين عليها موقعا متقدما في الدولة. وحتى من يؤمنون بتسييس الجغرافيا والسؤال عن أصل وفصل المسؤول، سواء كان رئيسا للوزراء أو وزيرا أو في أي موقع رفيع، فإنهم قد تستهويهم عوامل الأصل والفصل لغايات مختلفة، لكن هذا الأمر لم يعد عاملا مهما على المدى الذي يتجاوز الفرح وحسابات المحاصصة والجغرافيا.
اليوم، على كل مسؤول أن يدرك أن الفرح بوجوده جغرافياً هو فرح الاستقبال والتهاني، لكن المقياس الأبرز الذي يزداد سياسيا وشعبيا هو معيار المواقف والإنجاز. فنحن لسنا في زمن الرموز والزعامات، مثل وصفي التل وغيره عندما تغيب كل العوامل تحت تأثير حضوره وصورته الوطنية العامة. والمسؤول الذي يأتي ويعتقد أن الجغرافيا التي يمثلها أو التي يتقرب إليها أو تنسبه إليها تكفيه ليعبر الصراط من دون حساب أو نظر إلى الأداء مسؤول يعيش في الخيال السياسي، لأن المعيار الجغرافي قد يعطيك أرضية للعمل لدى البعض، لكن إن كان الأداء غير مقنع أو ضعيف أو فيه أخطاء قاتلة فإن الناس لا تعطي صك غفران دائما يمنح من يملكه حق الأداء الضعيف أو ممارسة الأخطاء الكبرى أو فعل ما يجب فقط لأنه ينتمي لجغرافيا معينة.
وحتى الانتساب إلى طبقة اجتماعية فقيرة أو متوسطة، أو فكر سياسي معين يحمل مواقف شعبية تجاه القضايا الكبرى، فإنه قد يشفع لصاحبه عند البعض أو لوقت معين أو في مواجهة نوع مضاد من الخصوم السياسيين أو في إدارة ملف معين، لكنه أيضا ليس حماية دائمة أو معيارا لتبرير ضعف الأداء وغياب الإنجاز أو في مواجهة عدم القدرة على خدمة الناس وتقديم لمسة خاصة.
الجغرافيا المختلطة بالسياسة أو الانتساب الطبقي أو حتى الموقف السياسي لم تعد كافية إلا في محطات معينة، لكنها لا تعطي لصاحبها مساندة وفق القاعدة المشهورة "انصر أخاك ظالما أو مظلوما". لهذا، لا يجوز أن يركن أي شخص إلى عامل الجغرافيا السياسية أو أي عامل معنوي في زمن تكاثرت فيه أسس التقييم، وأصبح لزاما على كل مسؤول أن يقدم سجل إنجازات ملموسة، وأن يكون قادرا على تجنب الأخطاء الكبرى وأن يحسن إدارة علاقاته مع الناس.
وحتى على صعيد صلات القربى وداخل كل عائلة أو عشيرة، فإن الناس تفرح إذا جاء منها مسؤول أو نائب أو عين أو رئيس حكومة، لكنها إن لم تلمس منه معاملة خدماتية ومعنوية خاصة لعشيرته أو محافظته فإن هذه العواطف الجياشة التي تكون عند التعيين واستقبال التهاني تضعف كثيرا عند خروجه من موقعه أو حتى قبل ذلك، وربما يلحق به ما يقوله الناس من وصف أن خيره كان له ولزوجته وأبنائه، أي أن عشيرته التي شعرت بتغير وضعه هي بيته، فكيف عندما نتحدث عن جغرافيا مسيسة أو انتساب إلى طبقة اجتماعية من دون أن يتبع هذا أداء مميز!
العوامل المعنوية والمواصفات العامة تكون فقط مع الرموز والزعامات، أما من لا يملكون تلك المواصفات فالإنجاز والأداء القوي هما المعيار الأهم.

التعليق