درعي وقلب الموازين الإسرائيلية

تم نشره في السبت 2 تموز / يوليو 2011. 03:00 صباحاً

أعلن الوزير الإسرائيلي الأسبق آرييه درعي عن عودته القريبة إلى الحياة السياسية، بعد مرور أكثر من تسع سنوات على خروجه من السجن، الذي أمضى فيه نحو عام ونصف العام إثر إدانته بتهم فساد كبيرة. ويعتبر درعي الشخصية السياسية الأهم في تاريخ حركة "شاس" الدينية الأصولية لليهود الشرقيين، إذ قادها في سنوات التسعينيات، إلى أن اضطر إلى مغادرة الحلبة السياسية قسرا، بعد إدانته بتهم اختلاس وتزوير وغيرها.
ولا مبالغة في التقديرات والاستطلاعات التي باتت تتوقع أن عودة درعي إلى الحلبة السياسية من شأنها أن تقلب الموازين السياسية، وتكسر ميزان الأغلبية اليمينية المتشددة في الكنيست. فدرعي الشخصية التي تحظى بشعبية كبيرة بين جمهور اليهود الشرقيين، يشكل حالة خاصة في تاريخ السياسة الإسرائيلية، فهو قاد حركته، وأقنع الزعامة الروحية الأساسية فيها، بضرورة المناورة بين مختلف تيارات الحلبة السياسية في إسرائيل، كي لا تبقى الحركة رهينة لتيار واحد، على أن يكون الثمن الأساسي هو التجاوب مع احتياجات جمهور الحركة، والتي تتلخص في رصد ميزانيات ضخمة، وضمان تأقلمها في المجتمع بالشكل الذي تختاره هي، وضمان خصوصيتها الدينية والاجتماعية.
فمثلا، في مرحلة قيادة درعي للحركة، أقنع الزعيم الروحي للحركة عوفاديا يوسيف، باستصدار فتوى تجيز "التنازل عن الأرض من أجل منع سفك الدماء"، وهذا ما مهد لنواب الحركة تأييد اتفاقيات أوسلو في سنوات التسعينيات. ولكنه لاحقا لم يجد أي مانع من انضمام حركته لحكومة الليكود، بزعامة بنيامين نتنياهو قبل 15 عاما، وأن يدعم بعد ثلاث سنوات من ذلك حكومة حزب "العمل" بزعامة إيهود باراك.
ورغم اتهام الحركة بزعامة درعي بالانتهازية، إلا أن "شاس" كانت تزيد قوتها من انتخابات إلى أخرى، وفقدت الكثير من قوتها بعد سجن درعي، الذي خلال ابتعاده عن الحركة، انتقلت كليا إلى معسكر اليمين المتشدد، وهذا ما ينعكس في تصريحات الحاخام يوسيف، وأيضا من خلال نهج زعيم الحركة السياسي إيلي يشاي، الذي موْضع نفسه في اليمين المتطرف تماشيا مع الأجواء السياسية، ومسايرة لبعض حاخامات الحركة.
وحتى الآن ليس من الواضح بأي شكل سيعود درعي للسياسة، هل من خلال زعامة حزب جديد، أم المنافسة على زعامة "شاس" من جديد، ولكن في كل الأحوال فإن تصريحات درعي السياسية والاجتماعية سبقته، وكلمة "الاعتدال" عادت لتظهر من جديد، وبطبيعة الحال "اعتدال" وفق المقاييس الإسرائيلية، ولكنها كلمة المفتاح للمناورة بين تكتلي اليمين المتشدد والوسط.
وقد أبرز آخر استطلاع نشر في نهاية الأسبوع الماضي حقيقة أن أي حزب بزعامة درعي سيكون بيضة القبان بعد أي انتخابات برلمانية مقبلة.
بطبيعة الحال، فإنه من السابق لأوانه وضع سيناريوهات شبه مؤكدة لما سيجري، ولكن منذ الآن خلق درعي "حالة فزع" في الحلبة السياسية، فحزب الليكود وزعيمه نتنياهو، ليسا معنيين بخسارة الأغلبية المضمونة سلفا، وأن يكونا رهينة لقرار درعي. كذلك، فإن درعي وحسب الاستطلاع سيقتنص الأصوات تقريبا من جميع الأحزاب الإسرائيلية التي تدور في فلك الحكومة، باستثناء عصابات المستوطنين. ولكن أحد أهم الخاسرين في هذه المعادلة، قد يكون وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان، الذي تم تتويجه لمنصب "الشخص الأقوى" في النظام الإسرائيلي، وقد يعود هذا اللقب إلى درعي، في حال ثبت أنه بيضة القبان لكل حكومة مقبلة.
أمام مشهد كهذا، فإننا قد نشهد حراكا سياسيا جديدا في إسرائيل يهدف أساسا لمنع عودة درعي، مثل سحب ورقة الفساد لمحاربته، ولكن في هذه النقطة بالذات، فإن خصوم درعي ضعفاء جدا، لأن ملفات الفساد تطارد عددا من أعضاء حكومة نتنياهو، وعلى رأسهم وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان، كما أن نتنياهو تورط في ما مضى بملفات كهذه، وإن كان قد أفلت منها.
مرّة أخرى، من السابق لأوانه الحديث عن حسم الأمور، ولكن الأمر الثابت أن نتائج الانتخابات المقبلة في إسرائيل ليست مضمونة منذ الآن، كما كان المشهد يقول ذلك قبل أسابيع قليلة.

التعليق