الجامع والثورات العربية

تم نشره في الخميس 23 حزيران / يونيو 2011. 02:00 صباحاً







إن المتابع لحركة الاحتجاجات العربية، يلاحظ أن المشهد نفسه من بلد إلى آخر، ومن يوم جمعة إلى يوم جمعة آخر، حيث إن الكل يترقب ماذا سوف يحدث مع انتهاء الصلاة في يوم الجمعة. يوم الجمعة هو يوم له  قدسيته عند المسلمين، وصلاة الجمعة هي الأكبر والأهم في الأسبوع، سيما أنه يوم عطلة يتيح للناس وخاصة للعاملين منهم الصلاة يوم الجمعة.
إن ظاهرة انطلاق التظاهرات والاحتجاجات بعد الصلاة في يوم الجمعة هي ظاهرة لافتة في حركة الاحتجاجات العربية. وقد لا يعني بالضرورة أن الذين يتظاهرون بعد الصلاة يقومون بذلك بدافع ديني، أو أنهم من أتباع حركات الإسلام السياسي، وإنما هم مواطنون مؤمنون، يشكل الجامع نقطة انطلاقة لهم. غالبا ما كان يشارك بالصلاة وثم التظاهر ليبراليون وقوميون ويساريون. إذاً، ما هو السر أو الرابط بين الصلاة في يوم الجمعة والاحتجاجات؟
إن الدور السياسي الذي يلعبه الجامع هو أنه يمثل مكانا عاما، وهو مكان عام يلتقي فيه المصلون، والذهاب إليه مشروع، ولا أحد يستطيع أن يمنع الناس من الذهاب للصلاة في الجامع، لأنه مكان للعبادة والتعبد. وبالتالي، فهو مكان آمن للالتقاء، ومناسب جدا لانطلاق المظاهرات.
إن المكانة الرفيعة التي يحتلها الجامع في المظاهرات مرتبطة مباشرة بطبيعة الأنظمة السياسية التي اندلعت بها الثورات أو الاجتماعات. ففي ظل الأنظمة الشمولية أو الديكتاتورية، فإن العمل الحزبي العلني والعمل العام من خلال منظمات المجتمع المدني يكاد يكون معدوما، أو غائبا بالكامل، لأنه غير مسموح به. هكذا كان الحال في ليبيا وسورية، وإلى درجات متفاوتة في اليمن ومصر وتونس. إن الفضاء العام أو المجال العام الذي يستطيع أن يلتقي فيه الناس بحرية غير موجود في أغلب البلدان التي شهدت احتجاجات، بالرغم من وجود استثناءات كتونس والجزائر. وبالتالي، يصبح الجامع المكان الوحيد أو الفضاء العام الوحيد المتاح أمام الناس للقاء ثم الانطلاق للتظاهر. وبالإضافة إلى كونه فضاء عاما، فإن للجامع حرمته وقدسيته، التي لا تستطيع أجهزة القمع اقتحامها (بالطبع هناك استثناءات، كما حدث في اقتحام قوات الأمن السورية أحد الجوامع في درعا). وبالتالي، هناك درجة من الطمأنينة في الذهاب للجامع ومن ثم التظاهر. كذلك، بالإضافة إلى توفيره لهذا الفضاء العام، فإن وجود الأعداد الكبيرة مع استنهاض العبارات الدينية يؤدي إلى بث الحماس لدى المشاركين، وشعور عضويتهم بالجماعة التي تؤدي إلى الشجاعة والإقدام وعدم الخوف، لأنه لا يمكن التفرد بأي شخص وحده بهذه الحالة.
إن هذه الظاهرة على خصوصيتها، إلا أنها ليست فريدة على المستوى الإنساني، فقد برزت هذه الظاهرة في دول أميركا اللاتينية في زمن الأنظمة الديكتاتورية والقمعية، حيث أصبحت الكنيسة هي الفضاء العام أو المكان العام الذي ينظم الناس أنفسهم من خلاله. ومع مرور الوقت، أصبحت الكنيسة رمزا لمقاومة تلك الأنظمة وتنظيم نفسها، كما أصبح الجامع رمزا للمقاومة والنضال ضد الأنظمة الديكتاتورية، لأنه يوفر مساحة من الحرية غير موجودة في الفضاء العام المدني. إن القاعدة السوسيولوجية في كلتا الحالتين تكمن في إبداع الناس في إيجاد التنظيم المناسب لحراكهم الجمعي.
هذا، وسوف تبقى رمزية الانطلاق للتظاهر من الجامع سمة مهمة من سمات الثورات العربية.

التعليق