قبول الآخر

تم نشره في الأربعاء 22 حزيران / يونيو 2011. 02:00 صباحاً

في خطابين متتاليين لجلالة الملك، تمت الإشارة لعدد من القيم السياسية الضرورية لتقدم الأردن الإصلاحي ونمائه. وقد كانت ثيمة التعددية وقبول الآخر من أهم هذه القيم، والتي تشكل في أساسها جوهر الإصلاح والديمقراطية.
يجب أن نعترف أننا كمجتمع لم نعل للآن من شأن هذه القيمة، ولا يبدو أنها تجذرت في أدبياتنا السياسية. وحتى مطالبات الإصلاح والديمقراطية تجاهلتها وعمدت إلى اعتماد ثقافة الاقصائية والاستحواذ على كل شيء أو لا شيء.
يغفل نقاشنا الإصلاحي بديهيات التنمية السياسية والدمقرطة والحاكمية الرشيدة، إذ لم يؤطر نفسه ضمن منظومة القيم التي هيأت للديمقراطية وجعلتها أسلوب الحكم الأكثر إبداعا ورشدا بشهادة التاريخ. فالديمقراطية تسير على قدمين: أولاهما المشاركة السياسية، وثانيتهما التنافسية السياسية. وهذه الثانية تعني ضمنا وحكما ضرورة التنازل وقبول التنوع والاختلاف والتعايش معه ومحاورته بحضارة وإقناع يستميل الناخب والعموم.
على مدار الأيام الماضية شهدنا حدثين أشّرا على ضعف قيم التعددية وقبول الآخر في مجتمعنا، أولهما رفض مخرجات لجنة الحوار الوطني من قبل التيارات السياسية الإسلامية والمحافظة؛ وثانيهما، عدم قدرة البعض القليل من الشباب المشارك في مؤتمر الشباب 2011 على قبول أنه جزء من كل ولا يمتلك تباعا أن يملي رأيه على الجميع ناهيك عن عدم إلمام بعض من شبابنا ببدهيات التحاور وأصوله.
لن نتقدم خطوة واحدة كمجتمع إذا لم نقبل اختلافاتنا ونتعايش معها ونلغي قاعدة "كل شيء أو لا شيء" من قاموسنا السياسي. جوهر الديمقراطية يكمن في هذا، وغيابه كان وما يزال من أكبر مثبطات التقدم نحو الإصلاح حتى من قبل الإصلاحيين أنفسهم الذين كانوا وما يزالون يخشون من ديمقراطية المرة الواحدة لأنهم يرون مؤشرات على أن بعض القوى السياسية المطالبة بالإصلاح تريد فقط أن تستحوذ هي على السلطة السياسية لتقوم بعدها بإقصاء الغير وإلغائه.
أن نعتصم فهذا حق كفله الدستور، أما أن نعتصم الى حين تلبية مطالبنا الحصرية التي لا تعبر بالضرورة عن رأي الغالبية فهذا إقصاء وابتزاز. أن نطالب ونقدم رؤيتنا للشأن العام فهذا واجب، أما أن لا نقبل إلا بتنفيذ ما نطالب به كافة، فهذا ليس من الحوار ولا التعددية بشيء. القوى السياسية في المجتمعات تتقدم خطوة نحو الآخر ليصبح القرار بالنهاية "توافقا" أو "تسوية" قد لا يرضي أحدا، ولكنه يبقى النقطة الأوسط بين كافة المطالب المجتمعية.
عدمي وغير بناء أن لا تقبل القوى السياسية والمجتمعية أنها جزء من كل، وهي تضرب جهود إصلاحنا في الصميم إذا ما كان هذا منهج تعاملها مع الحراك الإصلاحي الدائر الآن، والأصل أن ترسخ في كل خطوات عملها ومواقفها أنها قابلة ومتعايشة عن رغبة حقيقية مع الاختلاف في الآراء بين أطياف المجتمع الأردني، لا أن تتمترس خلف ذهنية "كل شيء أو لا شيء".

التعليق