د.باسم الطويسي

الوطني والقومي في الثورات العربية

تم نشره في الأحد 19 حزيران / يونيو 2011. 03:00 صباحاً

أحد تجليات ثورات الربيع العربي الطريقة التي تعيد من خلالها هذه الثورات صياغة العلاقة بين القومي والوطني، فبينما تؤكد أنها ثورات وطنية في الأهداف والممارسات، وتقدم نماذج جديدة ما تزال في مرحلة الطهو في إعاة انتاج الدولة الوطنية، فإنها في الوقت نفسه تقدم صياغة ثقافية جديدة للمجال العام القومي يقوم على حقائق ثقافية أكثر من أي مضامين سياسية أخرى.
  لقد صاغت هذه الثورات الشعبية مسارها في إطار وطني بحت، وحتى العدوى التي نشرتها والتعلم الجماعي الذي نقل الخبرة التونسية بسرعة إلى الشارع المصري ثم الشارع اليمني وهكذا، جاءت في سياق مستقل لكل مجتمع، كانت الحدود العربية شفافة الى درجة عالية جدا نقلت الصرخات والهتاف والأشواق للحرية والانعتاق بحرفية وسرعة وكفاءة، لكنها بقيت هي ذاتها الحدود، فلم نسمع عن حراك احتجاجي عابر للحدود أو لديه مجرد طموح في هذا الاتجاه، ما أكد حقيقة رسوخ الدولة الوطنية في وعي الجماهير الجديدة وممارستها.
  المجال العام القومي الجديد الذي تعيد صياغته الثورات لا يخلو من التشوهات، ومعظم هذه التشوهات يأتي من تقاطعات النظم القديمة التي ما تزال تبحث عن التكيف مع الوقائع المتغيرة، ولعل الصورة الأوضح لذلك حجم التوظيف للقوة الناعمة عبر الإعلام والأفعال الدعائية والمساعدات تحت أغطية انسانية وغيرها. 
تعيد هذه التحولات السؤال المركزي حول مستقبل الدولة الوطنية مقابل مستقبل الاطار القومي الاقليمي، وهل يفعل المجال القومي الثقافي الذي أوجدته الثورات الجديده فعله في التغيير، وما سيكون دوره في استكمال مسار بناء الدولة الوطنية وتخليص الخطاب القومي من أمراضه التاريخية، ولعل أبرز القضايا في هذا المجال والتي شهدت تحولات في بعض الدول تزامنت مع ربيع الثورات، مستقبل الجماعات الثقافية والسياسية في سياق الدولة الوطنية بين الانفصال أو الاندماج والتكامل السياسي.
  توجد خمس دول عربية مرشحة خلال هذا العقد، أن تتمزق خرائطها وتتبدل الاتجاهات بها، نظرا لصراعات مشتعلة أو أخرى تزداد سخونة تحت الرماد على خلفيات ثقافية وعرقية وقومية، حيث ستدرك النخب السياسية العربية، ومن خلفها المجتمعات العربية حجم الخسائر التاريخية التي سيدفعها الجميع بسبب التفريط بالخيارات الديمقراطية في إدارة شؤون الناس ونزاعاتهم المحلية، وستدرك تلك النخب، أنها أجرمت بحق شعوبها حينما لم تستطع بناء دول لكل مواطنيها. ِِِ
 لن نبكي على شكل خريطة العالم العربي التي ستتغير شئنا أم ابينا، فلقد حان الوقت لهجرة الأحلام الخرافية التي ورثناها عبر أجيال من العجز المزمن. وبما أن خيار الجنوبيين في جنوب السودان دولة مستقلة فالواجب ان نصفق لهم جميعا، وأن نصفق للسودان العربي ايضا وهو في طريقه للتعافي والبحث عن مستقبله بالتقدم وتحسين نوعية الحياة وبناء الكرامة الوطنية بمعاييرها التي يعرفها العالم المعاصر بالإنجاز واحتلال المكانة المرموقة بين شعوب الأرض، وليس باحتلال مصائر الشعوب وحقوقها.
  لقد حان الوقت ان نطور منظورا عربيا عقلانيا عن مصير المجتمعات والشعوب غير المندمجة في الدولة الوطنية العربية المعاصرة، حان الوقت لليقين بأن المداراة والحلول التلفيقية مصيرها الزوال، ولن تدفع ثمنها الا المجتمعات نفسها. حان الوقت لكي نستريح من عبء الخرائط المثقلة بظلم الذات وظلم الآخرين.
وفي المحصلة، يبدو أن هذا الجزء من العالم الذي يحتضن المجتمعات القديمة التي شهدت ميلاد أوائل الدول والممالك والنظم السياسية، وشهدت التحولات الكبرى في الأفكار والعقائد، يقف اليوم أمام اللحظة الخفية غير المنظور إليها بعمق ووضوح، إنها لحظة تشكل المجال العام القومي الجديد بقيمه الثقافية التي سوف تؤسس لبناء الكتلة القومية التاريخية على حقيقة الدولة الوطنية.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »عنوان التعليق (محمد الصبيحات)

    الأحد 19 حزيران / يونيو 2011.
    لا أرى أي مبرر للأحتفال بإنفصال جنوب السودان الكارثي الذي نتج عن فشل ذريع لنظام البشير الذي جاء على ظهر دبابة....التعددية بكل وجوهها عرقية, ثقافية أو دينية تبرر تفتيت الأوطان إذا ما بنيت هذه الأوطان على اساس المواطنة الحقة والذي فشل نظام البشير في تحقيقه...أنظر إلى التنوع المذهل في تركيبة السكان في الولايات المتحدة:هل تنفصل إلى عشرات الدول؟ أنظر إلى الكيان العنصري في فلسطين الذي ينطبق عليه "من كل زق رقعة."

    وعلى العكس يجب ان ندعو بإعادة ما تم تقسيمه : سوريا لكبرى مثلا.