أمسية عمانية زائفة!

تم نشره في الأحد 19 حزيران / يونيو 2011. 03:00 صباحاً

تسلل الفرح إلى دواخلنا عندما أشهرت "الأمانة" شارعا يحفظ هيئة عمان القديمة، ويقدم "سيرة مدينة" للعاصمة، فكان "الرينبو" الشارع الذي يضم بين ذراعيه بيوتا تسيل منها رائحة الأوائل، والذي "نطرناه" لنوقع خطانا على أرصفته.

تختلف الوجوه المارة في أقرب نقطة من عمان الغربية إلى الشطر الشرقي من المدينة الحبيبة، التي ضاعت ملامحها في شارع يكره النطق بالعربية. فالشارع الذي جاء ليتمم ما بدأته الأمانة في شارع الثقافة "الفاشل" في منطقة الشميساني، أصبح نافذة يطل منها مرضى الأماكن والمظاهر الهشة، ومرددو اللغة الإنجليزية، وبقي الرصيف يحتضن على عتباته عشاقه الكثر، يرقبون المارة الذين يزدحم بهم الشارع قبل أن يرتاحوا في مكان لا يجرؤ زوار الرصيف على التفكير بالدخول إليه، فأنت بحاجة إلى كثير من المال وقليل من اللغة الإنجليزية لتكون من رواد تلك المطاعم التي تقدم كل شيء.. غير أردني.
وتضامنت مع الرصيف حجارة جارا، التي أثقلها الزوار ممن ارتقوا فوق "قلة الحيلة" وصنعوا لذاتهم نافذة يطلون منها على الراحة من دون أن يتلمسوها. يستمعون إلى معزوفات على أوتار الغيتار ومن عازفين هيئتهم تكاد تدل على أنهم من أميركا الجنوبية، فهم أيضا لا يغنون بالعربية على الأغلب!
تلهث في الشارع وراء ملمح أردني وعربي فلا تجد، باستثناء "فلافل القدس"؛ فكل ذلك تلاشى أمام هوس الحضارة الزائف، واستعراض التردد على أماكن بهدف التباهي وليس الاستمتاع، ليغادرنا فرح البدايات ويتحول إلى حزن بسقوط مكان آخر في مستنقع الثقافة الغربية وهوس التقليد.
ماذا تبقى من التاريخ العمّاني في الشارع العتيق "الرينبو" المطل على وادي المدينة "صحن عمون"، والذي تصيبه أيضا أعمال التطوير والتحول، وبات القلق يتسرب إلينا من أن يتلاشى ما يحتفظ به قاع المدينة من هوية تاريخية للمدينة التي تغفو بتحنان على الجبال السبعة، تماما كما توارى مقهى الجامعة العربية، وتضاءل حضور السنترال الذي كان ملتقى العمانيين القدامى لنفث دخان الأرجيلة وغسل تعب اليوم بلعب الورق أو طاولة الزهر.
لا أحد يقف أمام أعمال التطوير والتحديث التي ساهمت، إلى حد كبير، في كسر الحاجز وردم الفجوة مع سكان الشطر الغربي من عمان، فأصبحوا من رواد قاع المدينة الذي كان حتى وقت قريب يقتصر على البسطاء والسياح الأجانب الباحثين عن واقع حقيقي وليس مصطنعا للبلد. واقع يحتضن صحن الفول في مطعم هاشم، ورائحة فلافل فؤاد، وكنافة حبيبة، ومنسف القدس، وشرفة بلاط الرشيد وأرجيلة السنترال.. وكتب أبو علي المتناثرة على الرصيف.
كل هذا وأكثر مهدد بالتلاشي لصالح التطوير، وردم التاريخ لصالح النجاح التجاري. وبات وادي المدينة في طريقه لأن يكون "رينبو" جديدا، مطلوب من زواره الجدد إتقان اللغة الإنجليزية، وحمل الكثير من النقود لقضاء أمسية عمّانية زائفة كتلك التي يقضيها أغلب زوار الشارع العتيق "الرينبو".

التعليق