الثورات العربية: الصبر مفتاح التغيير

تم نشره في السبت 18 حزيران / يونيو 2011. 02:00 صباحاً

بانتظار نتائج ما ستؤول إليه الانتفاضات العربية، يتوقف المرء متسائلا حول ماهية هذه التناقضات التي تضرب أطنابها في عقول كثير من مثقفي العرب الذين كانت أسماؤهم ونضالاتهم ترن في آذان الأجيال الجديدة، الأجيال التي حركت جمر المراجل، وجعلته يشب ثورات واندفاعا نحو التغيير الجذري لمنظومات حكم مستبدة كاملة.
المراجل التي ما تزال تغلي، وتمتد بألسنتها كل يوم إلى بلد عربي، تحتاج الى وقت لن يكون قصيرا، كي تنضج ما في قدورها، فالثورة.. أي ثورة، نفسها طويل لكي تحقق صبواتها، ولكي تصل إلى مبتغاها. ففي الطريق إلى تحققها ثمة عصي وألغام ومؤامرات لا تعد، وثمة من يركبون عقد انهزاميتهم، ويرون في بطء ما تحققه هذه الثورات فشلا ذريعا.
في قراءة تاريخ الثورات العالمية الكبرى، الفرنسية والبلشفية، والتي أسست لتحولات جذرية في التاريخ الإنساني، ثمة حالة مؤرقة كانت تتجول فيها، لا تقل عن الحالة التي تتأرق بها ثوراتنا، هذه التي يريد أن يركبها مثبطو عزائم ومحبطون، ومندفعون، ممن يعتبرونها ثورات لم يئن أوانها، وأنها تمت بفعل فاعل وتدبير مدبر، يقصدون عادة بذلك الغرب الأوروبي وإسرائيل، وطبعا القوة العظمى وفق وهمهم، أميركا.
لا أحد ينكر أن نضج الثورات مؤلم، وأن ضريبة أي ثورة دم زائد على الحاجة، وضحايا لا يعدون، لكن لا أحد ينكر أن الوصول إلى التغيير له ضريبته الغالية، وأن العيش الجيد يحتاج إلى تضحيات جيدة.
وهذا ما لا يريد أن يراه عديدون نظّروا للتغيير في عالمنا العربي، فكانوا أول من وهنوا عندما أطلق شباب العرب نار ثوراتهم، وتوضح عهن هؤلاء العديدين في ثورة سورية العظمى، الثورة التي يمكن أن تكون الوحيدة التي تحاول اجتراح معجزة استثنائية في تاريخ الثورات الإنسانية، لما تحتمي به من مقدمات مريعة، قام بها نظام بشار الأسد، لمنعها من أن تتنفس ولو قليلا.
ويقترب مشهد الثورة اليمنية بكل ما فيه من تفاصيل مؤلمة، ونبيلة وعبقرية، من مشهد الثورة السورية الذي يحتمي زيادة عليه، بمشاهد قتل وحشية يندى لها الجبين، والتهجير القسري والمذابح الجماعية والتعذيب والاعتقالات، لكن ذلك كله، لن يوقف مسيرة التغيير المقبلة في المنطقة العربية، ولن يتحقق هذا التغيير بين ليلة وضحاها، ولا بصرخات رافضي التغيير تحت ذرائع واهية، أو إحباطات بعض المغيرين أنفسهم، لكنه سيحدث، وسيكون حدوثه علامة فارقة في تاريخ منطقة توقفت عن صنع التاريخ منذ قرون.
اليوم العرب يصنعون التاريخ، وهم الوحيدون الذين يرسمون خريطة للمستقبل، ولكن هذه المرة يرسمونها بوعي فريد. وعي هشم أسطورة الخوف من النظام الحاكم المستبد، وهذا بذاته انتصار غير مسبوق للإنسان، إذ لم يعد الخوف محطة يتوقفون عندها، لينظروا إلى الخلف.
الخطوة التالية بدأت، وهي الإصرار على التغيير، وهذا ما نلمحه في المشهد السوري واليمني وغيره من مشاهد الثورات. الإصرار الذي لن يتم إنضاجه في ساعات ولا في أيام، ولا في أشهر، إنه تماما قلب الثورة، وتحققها الذي يقود إلى حديقة الأمل والعمل ولكنه يحتاج إلى صبر وجلد.

[email protected]

التعليق