التنمية اذ تصبح وهماً

تم نشره في السبت 18 حزيران / يونيو 2011. 03:00 صباحاً

لا يمكن للمرء أن يفهم أن دولة تحصل على عائدات نفطية بحجم 3 تريليونات دولار منذ أواخر ستينيات القرن الماضي وحتى اليوم، وهي ثاني أكبر منتج للذهب الاسود في القارة الافريقية بينما حال التنمية فيها هزيل وبائس.
في ثاني اكبر المدن الليبية بنغازي، وهي المدينة التي أسست في القرن الخامس قبل الميلاد، كثيرة هي الشوارع غير المعبدة حيث لا تخطيط لشكل المدينة ومسار البناء فيها، ومشهدها اقرب الى العشوائيات منه الى المدينة المتحضرة التي لم تخطط لها عقول ولم يجهز لها تصاميم ذات صلة بهندسة المدن.
كل مخلفات الصرف الصحي لأكثر من سبعمائة الف نسمة يقطنون المدينة تنتهي الى البحر، حيث بدا لون ماء البحر الابيض المتوسط مائل إلى السواد بسبب التلوث الذي المتدفق إليه كل لحظة.
 ومن الغريب ان يفهم المرء ايضا ان البلايين التي امتلأت بها الجيوب في طرابلس لم يتناثر جزء يسير منها ليتحول الى تنمية تتيح لليبيين حياة افضل او حتى قريبة من مستوى التنمية مقارنة بدولة عربية غير نفطية ومنها الاردن.
ليبيا دولة تمتد على ساحل يفوق طوله مليونا وثمانمائة الف كيلومتر لا يوجد فيها نقل عام والتعليم فيها غير منافس ولا يعترف باللغة الانجليزية وخدمات الصحة غير لائقة وضعيفة ولا توجد مشاريع رأسمالية حقيقية في دولة عدد سكانها يقارب سبعة ملايين نسمة.
 المشروع الوحيد الذي يمكن الاشارة اليه هو النهر الصناعي الذي يسعى لنقل المياه من الصحراء في الجنوب باتجاه مدن الساحل الليبي؛ اذ بدأ المشروع منذ مطلع الثمانينيات وهو لم يتحقق بشكله النهائي الى اليوم وكلفته لا تتجاوز 14 بليون دولار تم تمويل الجزء الاكبر منه عبر ضرائب فرضت على الليبيين وتم تمويل النسبة الاقل من خزينة الدولة.
 ولكن الخزينة تفرغت لتمويل شراء السلاح وخوض تجارب لا علاقة لها بالتنمية في تشاد، واهدرت بموجبها عشرات البلايين فيما ظل المواطن على حاله وفقره وبؤس واقعه.
والحال هذه، فان البنية التحتية الغائبة عن الواقع الليبي ستكون مسرحا للاعبين دوليين كثر من اجل نيل حصة من كعكة إعادة بناء الدولة في مرحلة ما بعد القذافي والتي باتت وشيكة، ولا يمكن فهم التحاق الصين وروسيا وألمانيا بركب الدول الداعمة للثورة الليبية بعد ان امتنعت تلك الدول عن التصويت لقرار الامم المتحدة - القاضي بفرض حظر جوي وحماية المدنيين – إلا في سياق البحث عن موطئ قدم لها في قطار اقتصادي مغر سرعان ما يتحرك بمجرد ان تضع الحرب الدائرة اوزارها.
قصة البنية التحتية مستفزة في غير بلد عربي، فاذا قورنت المقدرات والثروات – التي يملكها الزعماء الملهمون ولا علاقة للشعوب بها – بما تحقق على الارض فإنك تجد مدى البؤس الذي لحق بالانسان العربي من خلال ديكتاتوريات عاثت بالجغرافيا والانسان فسادا وحولت الاوطان الى مزارع تستفيد منها قلة فاسدة فيما تغيب ابسط شروط العيش الكريم عن البقية، وتحولت تبعا لذلك حياة الناس الى خديعة ووهم.
 فالحديث عن البناء وتطوير حياة الأفراد مجرد كلمات لا قيمة لها، والإنفاق على السلاح وعسكرة الدولة يسير على قدم وساق من دون ان يكون هنالك عدو او مواجهة حقيقية.
يستحق الليبيون والعرب جميعا حياة افضل من تلك التي عانوا تحت وطأتها لعقود طويلة، وربيع الثورات العربية يجب ان يفضي الى فجر جديد، لا مكان فيه للخطابات الطويلة للزعماء والقادة الملهمين بل لصوت المعاول التي ستبني الاوطان من الصفر.

التعليق