ليبيا وفرصة حياة جديدة

تم نشره في الثلاثاء 14 حزيران / يونيو 2011. 03:00 صباحاً

لم تحظ دول عربية كثيرة بفرصة الحياة؛ لأن الدولة ببساطة لم تتشكل فيها بمفهوميها القانوني والاقتصادي وقبلهما السياسي.
فالموارد وفيرة والنفط بالبلايين، ولكن حظ الإنسان ظل قاصرا بسبب قرار مسبق اتخذته السلطة جعل المرء يلهث وراء لقمة العيش من أجل أن يحيا بمواصفات الحد الأدنى أو ما دونه، ولعل النموذج الليبي صارخ في هذا الشأن، إذ جهد الليبيون للتكيف مع واقع قاس منذ 42 عاما على حكم "القائد".
عندما تمر العين على موانئ تصدير النفط في طبرق أو البريقة أو راس لانوف أو الزاوية وغيرها، يتخيل المرء أن حياة الليبيين بتعدادهم القليل نسبة الى مساحة بلادهم -عشرون ضعفا مقارنة بمساحة الأردن- يجب أن يعيشوا حياة الرفاه والاسترخاء، لكن ما حدث معهم على امتداد العقود الماضية كان قاسيا، فلا فرق بين ما عانوا منه وما يحدث حاليا في أي دولة أفريقية تتهددها المجاعات وأشباح الفقر.
يتقاضى الليبي في المتوسط 300 دينار ليبي -  175 دينارا أردنيا- وبها يجب أن يكابد وعائلته لمدة ثلاثين يوما، ولا بأس بمواجهة بعض الغلاء الذي يتصاعد من وقت إلى آخر، أما إشكالية التفكير بفتح بيت جديد لأي شاب وفتاة تواجه بمعضلات جمة، فبيت الزوجية -الشقة- بات أساسيا للمضي في موافقة الأهل على الزواج وواقع الحال يشير الى أن جل الشباب الليبي لا يقوى على تحصيل سعر غرفة فكيف بالشقة التي لا يقل سعر الواحدة منها عن 25 ألف دينار أردني؟، وتبعا لذلك، فإن العنوسة تعد مشهدا بائسا يلقي بظلاله السوداء على واقع المجتمع الليبي ويرفع سنة بعد سنة عتبة الزواج للشبان والفتيات، والدولة منذ أواخر الثمانينيات لم تبن بيتا أو شقة، وفي السنوات الست الأخيرة التي بدأ يلمع فيها نجم سيف الإسلام القذافي -بعد أن رفع شعار ليبيا الغد- بدأت الشركات الأجنبية تتسلل الى البلاد لإقامة مشاريع ضخمة، لكن كثيرا من تلك المشاريع لم تر النور الى يومنا هذا.
ما الذي كان يفعله الحكم الذي يترنح اليوم؟ وفي سياق الإجابة، يروي الليبيون قصصا للخديعة التي تعرضوا لها بتخطيط مسبق، فالدولة تمنح رواتب هزيلة وثمة فساد كبير في ملف الرواتب التي تقدمها خزينة الدولة؛ فعدد الرواتب ضعف عدد السكان، وبين الاثنين عمليات فساد وإفساد تتم من خلالها مقايضة الراتب الشهري بالولاء للمؤتمر الشعبي وتفرعاته الخضراء، بل إن السلطة أوقفت التجارة مطلع الثمانينيات واستعاضت عنها في منتصف العقد ذاته بإلقاء أكياس من خلف باب حديدي على الأفراد فيما سمي بالأسواق العامة، ويحتوي كل كيس على أشياء متنوعة وغريبة، فقد يحظى كهل بأحمر شفاه أو ما شابه!
لمن لا يعلم، فإن ليبيا بلا مواصلات أو نقل عام، علما أن المسافات شاسعة ومترامية بين مدينة وأخرى، فمن بنغازي في الشرق الى طرابلس غربا تأخذك الطريق في رحلة طويلة تمتد لأكثر من 14 ساعة في السيارة ومثلها أو يزيد من بنغازي الى سبها جنوبا، والدولة التي قال العقيد إنه بناها لبنة لبنة لا صرف صحيا فيها، ومياه المتوسط الزرقاء يعتريها تلوث ممنهج؛ إذ تنتهي الفضلات اليها وفق قرار رسمي منذ أمد بعيد.
يقبض الثوار حاليا على جمر الحرية ويسعون للتخلص من استبداد استمر 42 عاما، وإن كانت مهمتهم شاقة واقتربت ثورتهم من شهرها الخامس، فإن تحدي بناء الدولة الليبية من الصفر بعد رحيل "اللانظام" يبدو أكثر تعقيدا من المعارك الضارية التي تشهدها جبهات القتال في اللحظة الراهنة.

التعليق