حنان كامل الشيخ

الشهداء لا يقولون الحقيقة!

تم نشره في الثلاثاء 14 حزيران / يونيو 2011. 02:00 صباحاً

هم مضطرون إلى ذلك، ولو كانوا على مدارج الصعود إلى الفردوس الأعلى! مضطرون أن يختلقوا قصة منطقية يتقبلها إدراك رفاقهم شهداء الأمس، وقبل الأمس. مضطرون ألا يفاجئوهم بالحقيقة مرة واحدة. سيؤلفون روايات عن شهاداتهم، بحيث لا تصدم أحدا، ولا تغضب أحدا، ولا تُبكي أحدا!
ماذا سيقول شباب ثورة الياسمين والنيل ومصراته وتعز وجسر الشغور، لمن سيستقبلهم من شهداء الحروب الإسرائيلية والإيطالية والفرنسية والبريطانية والأميركية، على الأراضي العربية؟ حكامنا قتلونا من خلاف وعلى الجنبين، وفي وسط الجبين؟ حرام أن يواجهوهم دفعة واحدة بأخبار التغيير الذي أصاب الأمة!
شهداء مخيم اليرموك مثلا، لو أنهم صادفوا -وهذا وارد جدا- جهاد أحمد جبريل، الذي سيبحث عنهم بالخصوص، بعد أن يصل الى أسماعه أنهم من المخيم نفسه، ماذا يقولون له؟ أبوك أطلق النار علينا؟! حرام أن يفعلوا به هذا، وهو الشهيد الشاب الجميل، والذي مات ميتة طبيعية على يد إسرائيليين!
أخبار شهدائنا في عام ألفين وأحد عشر لا تسر حبيبا.. تماما كما الشوكة التي تغز في خاصرة الفرح، تذكر في كل لحظة أنها ها هنا، لن تبرح قبل أن تشفي غليلها، وتجعل الفرحة منقوصة!
يقول واحد منهم: ماذا لو قلنا لهم إننا شهداء حقيقيون بشهادة جميع المشيعين. حتى القنوات الإعلامية التي كانت ستدعوهم "ضحايا"، تحسبا وقلقا، اضطرت هي الأخرى لأن تذعن لطهر دمائهم، التي ملأت الشاشات، مترافقة مع صور الرؤوس المقطوعة والأذرع المبتورة، والبطون المبقورة، فسمتهم شهداء رغما عنها.. كلهم ركعوا أمام لحظات الظلم والغدر والبطش.
لكن شهيدة شابة انتبهت فجأة لتعدد لهجاتهم وحذرتهم: ربما سيعتقدون أننا كنا في طريق تحرير القدس مثلا! فكروا في هذا الاحتمال طويلا، وقرروا بالإجماع أنهم سيلتفون على الحقيقة قائلين: نعم، كنا في دربنا "الطويل" لتحريرها، لكننا وقعنا في بدايات الطريق!
وقبل دخولهم البوابة العظيمة مباشرة، نظروا إلى أنفسهم بخجل. كيف سيفسرون هذا الإجرام الذي لحق بتفاصيل أعضائهم وأوصالهم وجلودهم؟ تلفتوا حولهم علّ أحدا منهم يلحقهم بإجابة سريعة. لكن صوت بكاء مرير وعويل صارخ، بدأ يتناهى الى أسماعهم من الجهة الأخرى من الباب. كانوا رفاقهم السابقين، وقد علموا بالحقيقة كاملة، يعدون لهم حفل تشييع آخر، فهم من وجهة نظرهم، شهداء مرتين!
نظر الشهداء الجدد إلى بعضهم، يتساءلون عمن سولت له نفسه بالوشاية، من سبقهم إلى هناك وتسلل ليخبرهم بأنبائهم الحزينة؟ تفقدوا بعضهم بعضا، واكتشفوا بغتة أن حمزة الدرعاوي لم يكن موجودا، لقد استبق الخطى إلى أشقائه ليلحق بمباراة كرة قدم، وقدم قبل دخوله إقرارا بالحقيقة. ضحك الشهداء من خوفهم الذي ذاب حياء، أمام شجاعة الفتيان. وقرروا أن يكونوا أطفالا بعد اليوم، لا يحفظون سرا أبدا!

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ضحكة ممزوجة بكدمات (صفاء مشاقبة)

    الثلاثاء 14 حزيران / يونيو 2011.
    شهداء تم تكليهم بورد وحنى هؤلاء هم منارة سوف يهتديهم بهم الجيل الجديد الذين فتحوا مخرجا ونور من بين الظلام فلما لطالما سيخلدون اسماهم في ذاكرة وعقولنا ماحيينا نتفس الاوكسجين ان شاء الله شهداء الى جنة والرحمة والدعاء لكم وينصركم حمزة الى الجنة ان شاء العلي الكريم
  • »لماذا الخجل ؟ (عائدة البلوي)

    الثلاثاء 14 حزيران / يونيو 2011.
    هم شهداء حقيقيون فاعظم درجات الجهاد قول كلمة الحق في وجه سلطانا ظالم
  • »كالعاده .... رائعه (ثورة)

    الثلاثاء 14 حزيران / يونيو 2011.
    نعم، كنا في دربنا "الطويل" لتحريرها، لكننا وقعنا في بدايات الطريق!
    هي ليست كذبه ولكنها الحقيقه ....
    مقال كالعاده اقل ما يوصف به بانه اكثر من رائع
  • »عيني عليكي بارده (فداء تلحمي)

    الثلاثاء 14 حزيران / يونيو 2011.
    و قرروا أن يكونوا أطفالا بعد اليوم لا يحفظون سرا أبدا
    ابدااااااااااااااع يا حنان الشيخ
  • »مقال رائع (سفيان)

    الثلاثاء 14 حزيران / يونيو 2011.
    سلمت يدك ايتها الكاتبة مقالك مؤثر
  • »موجع جدا (رياض)

    الثلاثاء 14 حزيران / يونيو 2011.
    موجع و حقيقي مثلما كانت اهات حمزة ... أصبتي في ما قلتي فأدميتي قلوبنا
  • »حديث الرسول (ام فيصل)

    الثلاثاء 14 حزيران / يونيو 2011.
    أختي الكريمة أحييك على المقال و أحب أن أضيف اليه حديث للرسول_صلى الله عليه وسلم_بأن من علامات الساعة بانه يكثر الهرج(القتل)
    فلا يعلم القاتل من قتل ولا المقتول لم قتل؟!
    وكل شيء وله حكـــــــمة بالغة فيما يحدث. نسأل الله أن يتقبلهم بين شهدائه الأبرار و شكرا
  • »أبكيتني.. (مؤيد)

    الثلاثاء 14 حزيران / يونيو 2011.
    أبكيتني على الصباح يا سيدة حنان و لكنه خيال رائع يلاحق الشهداء الى الفردوس الأعلى . رحمهم الله جميعا و أسكنهم فسيح جناته