هاني البدري

عائد إلى القاهرة

تم نشره في الاثنين 13 حزيران / يونيو 2011. 02:00 صباحاً

"يمكنك أن تدوس الأزهار لكنك لن تؤخر الربيع" دوتشك.
هذه هي المرة الأولى التي أعود بها إلى القاهرة منذ قيام الثورة؛ فقبل اندلاعها بخمسة أيام كنت قد غادرت مصر التي ارتبط بها عشقاً وعملاً.
"أدخلوا مصر إن شاء الله آمنين"، ما تزال الآية القرآنية التي استقرت على مداخل مطار القاهرة الدولي ترحب بالقادمين الذين تضاءلوا حتى يبدو أن المطار الذي كان الأكثر انشغالاً قد يركن إلى السبات عدة مرات كل يوم. لم تعد رائحة حبيب العدلي وقبضته الأمنية تخيم على الأجواء وتزكم الأنوف كما كانت من قبل، لكن ثمة صورة أخرى باتت تخيم على القاهرة كلها هي نتاج الثورة.
"مصر بلا مبارك"، نحن جيلٌ لا نعرف هذه الصورة منذ أن أصبحت طلة الرئيس المصري فرضاً على أنظارنا في المسلسلات والأفلام المصرية.
يكاد كل مصري يداهمك، من دون مقدمات، بالحديث عن الثورة وميدان التحرير ووجوه الفساد التي غابت، يقولها بنشوة واضحة "كلنا كنا هناك"، في إشارة لدوره في ثورة التغيير.
الابتسامة ما تزال هناك، ترتسم على وجوه كل المصريين الطيبين المُرحبين بك كعادتهم في كل نصف متر؛ "كل سنة وإنتَ طيب يا باشا" بطريقتهم المُحببة. لكن ثمة فرحة ناقصة لم تكتمل، تقول هذه الوجوه، وكأن النُكتة التي كانت سلاح ثمانين مليون مصري في مواجهة ظروف الحياة الصعبة وفساد الحكم باتت باهتة.
لكن القاهرة التي أزاحت بإرادةٍ ما تزال تُحير العالم، الأثقال التي جثمت على صدرها، دخلت في دوامة فوضى المطالب والمظاهرات التي تعكس حجم الألم التي عاشته في خمسة عقود. بين كل مظاهرة وأخرى.. اعتصام.
تتحدث الأرقام عن أكثر من نصف مليون "بلطجي". ويعمل المجلس العسكري الآن على إيقاع أقصى العقوبات للردع والقضاء على إحدى أكثر الظواهر التي تُعكر صفو القاهرة بعد الثورة. وفي المقابل، ستمائة وخمسون ائتلافا شبابيا تظهر على الساحة لتعلن عن نفسها في مرحلة المشاركة السياسية المقبلة.
ورُغم الجدية التي باتت تطغى على حوارات المصريين، والحديث الدائم عمن نزل إلى الميدان ومن لم ينزل، ما تزال خفة الدم التقليدية تنبض بالحياة. مئات الشباب ينصبون في ميادين القاهرة منصاتٍ لبيع الأعلام.. منصة تحمل أعلاما فلسطينية، وأخرى مصرية، ومنصة ثالثة تحمل أعلاماً ليبية أو يمنية أو تونسية.. ثم بعدها منصات فارغة لا تحمل أعلاماً بعد.. هو تعبير مصري عميق يدعو للابتسام ككثير من النكات المصرية.
في مصر اليوم تبدو الأشياء، كل الأشياء، مختلفة عن الأمس. يكاد صُناع الذوق الهابط في السينما والمسرح لا يقوون على الخروج بإنتاجاتهم المعروفة، بل غاب المسرح تماماً، وخرج للناس إنتاج سينمائي ضخم لا يحكي إلاّ عنهم من دون صور للرئيس في خلفيات المشاهد.
"صرخة نملة" الفيلم الذي يُغرق القاهرة اليوم، والذي كان ضيف شرف في مهرجان "كان"، يقول بلسان حال المصريين، ويترجم إحساس كل مواطن، بأنه لم يكن سوى نملة تدوسها أحذية المسؤولين بمختلف مستوياتهم ومناصبهم، فيما حتى الصراخ محظور عليها.
تغير ذوق المصريين وباتوا يُقبلون بدهشة على أول أفلام ما بعد الثورة، ويسمعون الشعر في مراكز ثقافية كانت مطاردة من قِبَلِ أعداء الثقافة. ولم تعد قواعد الناس تلتفت لتفاهات الكوميديا المتخلفة و"الإفيهات" الممجوجة.
في صورة شعب نعرفه جيداً نحن، تبدو نتائج الثورة أكثر وضوحاً في شخصية المصريين أنفسهم. فثمة عودة ملموسة للروح المصرية الأصيلة التي كانت ضعفت وشحبت وتلوثت وبهتت.. كأن المصريين تخلصوا مرة وإلى الأبد من الوهم الذي لازمهم بفعل فاعل، والخوف الذي زرع في قلوبهم لسنوات. أصبح لفلسطين وقعٌ آخر في قلوب المصريين الجدد.
ورغم أن فنادق القاهرة ما تزال تَغط في سبات ما بعد الثورة والأزمات الاقتصادية التي تعيشها مصر وأسواقها المالية ومساءاتها التي لم تتعود أن تغلق الأبواب مبكراً، فما تزال روح الإرادة التي استطاع بها المصريون أن يغيروا نظامهم وحياتهم وأذواقهم ونكاتهم، والتي هي نتاج عقود من الاستبداد والاستخفاف والفساد، بحاجة لإرادة خاصة لا تقل عن إرادة الثورة، حتى تعود مصر إلى دورها ومكانتها. ولعل ذلك سيعزز شكل العلاقة بين مصر والعرب.
المصريون لم يعودوا يشعرون بأنهم نملة تدوسها الأقدام كما تشعر شعوب عربية أخرى عديدة حتى اليوم، لكنهم حتى في محنتهم علموا العرب الشعارات القادرة على تحقيق التغيير.

hani.badri@alghad.jo

التعليق