هل تنجح مصر وتونس في مأسسة الديمقراطية؟

تم نشره في الجمعة 10 حزيران / يونيو 2011. 02:00 صباحاً

استطاعت ثورتا مصر وتونس التخلص من النظام السابق وإلى غير رجعة كما يبدو جليا. ولكن كلتا الدولتين ما تزالان تراوحان في مساحة طي صفحة الماضي من جهة، وبناء قوانين عمل سياسي جديدة تستجيب للواقع الوطني من جهة أخرى. والنجاح في عبور هذه المرحلة مفصلي لنجاح الثورة الديمقراطية ومأسستها وحمايتها من الانزلاق للفوضى، وهو الاحتمال الوارد، وقد حدث بالفعل في الكثير من التجارب السابقة لدول أخرى.
أدبيات التحول إلى الديمقراطية تقسّمه لعدد من المراحل: مرحلة ما قبل الديمقراطية التي تتناول الأسباب التي تهيئ لحدوثها؛ ومرحلة التحول نفسها، سواء كانت ثورة دموية أم تغييرا سلميا؛ ومرحلة ما بعد الثورة مباشرة وكيفية التعامل مع بقايا وشخوص الأنظمة السابقة قانونيا وسياسيا؛ ومرحلة بناء المؤسسات السياسية الديمقراطية وتقوية المجتمع المدني السياسي ليكون الضامن لعدم العودة عن الديمقراطية.
مصر وتونس تعيشان الآن مرحلة طي صفحة الماضي ضمن هاجس يحاول المواءمة بين رغبة الانتقام والمعاقبة لمسؤولي النظام السابق، وبين ضرورات تحييد وعدم توتير المشهد السياسي إذا ما تم استفزاز المتعاطفين أو المتضررين من هكذا معاقبة. هذه المرحلة أصعب وأعقد من الثورة وإنجاحها، وهي تحتاج درجة عالية من الحكمة وضبط النفس والمسامحة، فكظم الغيظ السياسي وتعقيل الثورة وإيقافها عن الغوغائية أمر مفصلي لإنجاحها.
التعامل مع السياسيين والأمنيين السابقين سيحدد وبدرجة كبيرة قدرة الثورات على إنتاج ديمقراطيات قابلة للديمومة، وأن لا تنساق هذه الثورات لشهية الانتقام والثأر من السابقين، لأن ذلك سيولد احتقانات سياسية واجتماعية، والأخطر أنه يزيل صفة التسامح والتعددية التي يجب أن تتسم بها الديمقراطيات. فبقدر ما كانت الشعوب ممتعضة من الأحزاب الحاكمة المتسلطة، بقدر ما يجب أن تعي أنه لا بد من قبولها ضمن مبدأ التعددية السياسية الديمقراطية. لذلك، فالأفضل عدم محاكمة السياسيين السابقين إلا على أسس جنائية أو جرمية، والأولى إعفاء من لم يرتكب جرائم من أي مسؤولية سياسية سابقة. قد يكون هذا مؤلما لبعض متحمسي الثورات، إلا أنه مفيد لاستمراريتها.
والحال سيان بالنسبة للمسؤولين الأمنيين. فهؤلاء، وإلى حد بعيد، كانوا ينفذون الأوامر، ومن غير العدل بالنسبة لهم أن يحاكموا على ذلك، إلا بالطبع على أسس جنائية وجرمية. بل وفي حالة المسؤولين الأمنيين السابقين تجد كثيرا من الثورات أن هناك حاجة أمنية لهم من أجل الحفاظ على الأمن، ما يوجب قبولهم ومسامحتهم من قبل الثورات.
ليست هذه أشد معضلات استدامة الديمقراطية الوليدة، ففي كثير من الحالات تكون التوقعات من الديمقراطية مرتفعة، لتجد الشعوب أن الديمقراطية لم تكن الحل السحري للشؤون التي ثاروا من أجلها، كالبطالة والفقر والفساد وغيرها، وهذا بدوره يرتب عبئا أكبر على هذه الديمقراطيات الوليدة كي تنجز وبفعالية استثنائية وتقنع المجتمعات أنها أفضل أداء من سابقها الديكتاتوري المستبد.
كل هذه الجدليات المعقدة وغيرها يتصارع معها التونسيون والمصريون بشكل يومي الآن، وهم مسؤولون أمام التاريخ وأمام شعوبهم في أن يتخذوا القرارات ضمن هاجس سياسي واحد، وهو الحفاظ على الديمقراطية الجديدة واستدامتها، لا الانزلاق لرغبات الانتقام والثأر.

[email protected]

التعليق