حتى لا تلقى برقش مصير دبين

تم نشره في الاثنين 30 أيار / مايو 2011. 02:00 صباحاً

لم نكن لنفهم لماذا ظلت التنمية في محافظة جرش طي النسيان. واليوم لا نفهم لماذا عندما صحت التنمية لم تجد لها موقعاً في جرش غير غابة دبين الطبيعية، بكل ما تحمله من تراث طبيعي وهوية بيئية لبلدنا الذي لا تزيد الغابات الطبيعية فيه على 0.3 % من مساحته، ولا تزيد على 0.9 % بعد إضافة الغابات غير الطبيعية التي تمت زراعتها بأعمال التحريج على أراضي الخزينة.
لمساوئ الصدف يتكرر الأمر ثانية مع محافظة عجلون التي غفت التنمية عند أبوابها طويلاً، حتى إذا صحت لم يطب لها المقام في غير غابة برقش الأغلى والأغنى بين غاباتنا الطبيعية، تاركة ما اتسع من جميع أراضي الخزينة والأراضي الحرجية غير المحرجة لتهبط على قلب غابة برقش تبني فوقه مشروعاً هو آخر ما تحتاجه عجلون من مشاريع تنموية.
غريب أمر هذه التنمية التي حملت إلينا مفهوم الاستثمار الذي يقوم على بيع أراضي الدولة وما يسمى بتطويرها، وتقديمها مجاناً كمساهمة حكومية لجذب المستثمرين. بدأ الأمر بأراضي الخزينة غير الحرجية، ثم زحف ليطال الأراضي الحرجية والغابات التي فوقها. ووصل الأمر أن يخالف نظام استعمالات الأراضي في مادته (10/ب/2/ح) مواد قانون الزراعة (27/ح، 32/أ/1، 32/أ/2) للسماح بإنشاء المنتجعات في الغابات المملوكة للقطاع الخاص.
ذات جلسة عمل رسمية، أثار تشددي في المحافظة على غاباتنا حفيظة مسؤول رفيع المستوى، فوجه كلامه لي مستغرباً: يا أخي منذ أسابيع كنا نطير فوق النمسا، ورأينا الفلل تنتشر داخل الغابات على نحو واسع. قلت له: يا سيدي النمسا غابة جرى تحويلها إلى بلد، أما الأردن فبلد يحلم بأن تكون لديه غابات، فهو لا يملك من الغابات الطبيعية غير نحو 260 ألف دونم من إجمالي مساحته التي تبلغ 89 مليون دونماً.
حري بالجهات الرسمية أن تبحث دائماً عن البدائل بين المواقع لاختيار أفضلها للمشاريع الاستثمارية والتنموية الحقيقية حال توافرها. وعليها بذلك الابتعاد عن المواقع ذات الحساسية الخاصة التي يحظر القانون أي أنشطة عملية فيها حماية لها من الأضرار البالغة التي قد تتعرض لها جراء ذلك، وفي مقدمتها الأضرار البيئية. ولن يكون مفهوماً أن تبادر هذه الجهات إلى مخالفة القوانين وهي التي يجب أن تتولى حمايتها من المخالفات. وإن فعلت وضعت نفسها ليس في موقف من يخالف القانون وحسب، بل ومن يتقصد مخالفته، وهذا هو حالها مع غابتي دبين وبرقش في إصرارها على إقامة المشاريع في كل منهما رغم وجود المواقع البديلة وفي ذات المنطقة بحيث لا تعود تملك أي مبرر للإصرار على تعريض غابة طبيعية لانتهاكات بيئية صارخة في وقت تملك فيها هذه الجهات أكثر من فرصة بديلة.
لمصلحة بلدنا، جدير بنا أن نتذكر أن البدائل موجودة دائماً. ونحن لا نقول بإلغاء أي مشروع تنموي، خصوصاً في محافظات مثل جرش وعجلون، وإنما فقط التفكير في بدائل للمواقع التي نختارها حتى لو كلفتنا أعمال التطوير أكلافاً زائدة، لأنها تبقى لا تُذكر بالمقارنة مع ما قد نخسره في إقامة المشروع في موقع غير مناسب. هذا ما ينبغي أن نفكر به ملياً فيما تعتزم فعله جهات رسمية في غابة برقش. فلنقم مئة مشروع لأهلنا في عجلون، ولكن على أن لا يكون أي واحد منها في غابة برقش، سيما وأن أراضي أخرى للخزينة غير الغابات تتوافر في المنطقة.

التعليق