المرأة والثورات العربية

تم نشره في الخميس 26 أيار / مايو 2011. 02:00 صباحاً



إن مشاركة المرأة في الحركات السياسية والاجتماعية من أجل التحرر من الاستعمار أو تحقيق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية ليست جديدة، وإنما تمتد لأكثر من مائة عام. ولكن مشاركتها في الثورات العربية المعاصرة (تونس، مصر، اليمن، سورية) كانت محورية ونوعية فاقت كل التوقعات.
لقد لعبت المرأة دورا جوهريا منذ البداية في تنظيم الاحتجاجات والدعوة لها، حيث شاركت جنبا إلى جنب الرجل بالاحتجاج والاعتصام والمبيت لأيام متواصلة في الساحات والميادين التي كانت تتم بها هذه الاعتصامات. ومن المهم الإشارة إلى أن المرأة لعبت دورا ليس فقط من خلال الاحتجاج والتظاهر في الشوارع ومواجهة آلة القمع البوليسي، وإنما من خلال الحث على المشاركة والتنظيم. وإن من أهم ما يميز مشاركة المرأة العربية في هذه الثورات، هو أن المرأة لم تكن لها مطالبها الخاصة، وإنما كانت الديمقراطية والمواطنة والحقوق المدنية هي المطالب التي أنضوت تحتها النساء في كل هذه الدول. لقد اختفت الفوارق بين الجنسين، وتوحدت من أجل مجتمع ديمقراطي لكل المواطنين ذكورا وإناثا.
إن اللافت في حراك المرأة في هذه الثورات هو بروز قيادات نسائية جديدة أفرزتها المرحلة، بينما كانت الغالبية من المنظمات النسائية القائمة بعيدة عن هذه الثورات، محاولة في مرحلة تالية اللحاق بها. والحركة النسوية المهيمنة على ساحة نضال المرأة في العالم العربي هي أقرب إلى ما يمكن تسميته بنسوية الدولة، وإن معظم الإنجازات والمكتسبات التي حققتها المرأة كانت بقيادة الدولة المتحالفة مع المنظمات النسوية النخبوية، والتي لم تسطع أن تنجز إلا اليسير للمرأة العربية.
ومشاركة المرأة في الثورات العربية هو مؤشر لبروز نمط آخر من التفكير الذي يرى أن الطريق لأن تأخذ المرأة حقوقها المشروعة، لا يمكن أن تتم إلا إذا تمتع الجميع رجالا ونساء بتلك الحقوق، وأن تحرير المرأة لا يمكن أن يتم إلا بتحرر الرجل أيضا، وأن ما يتم إنجازه من تقدم أو حقوق للمرأة بمجتمع لا يتمتع الجميع فيه بالحقوق ذاتها، سوف تبقى إنجازات غير جوهرية.
السؤال الملحّ الآن هو حول ما إذا كانت المرأة ستكون شريكا في بناء الدولة الجديدة، وتتمتع بكافة الحقوق كالرجال أم لا؟! إن الوضع يختلف من دولة إلى أخرى. ففي تونس، والتي كانت المرأة فيها تتمتع بحقوق متميزة عن كل نظيراتها في الدول العربية، فإن المؤشرات تدل على أن الثورة ستكون للجميع، حيث إن المرأة التونسية ستحتفظ بمكتسباتها، وتزيد منها، إذ أقر مؤخرا قانون انتخابات يفرض على الأحزاب السياسية أن يكون المرشحون مناصفة بين النساء والرجال، وبطريقة تضمن ذلك. أما المسألة الأخرى في الحالة التونسية التي تدعم هذا الاتجاه، فهو الموقف المتقدم لحزب النهضة الإسلامي من حقوق المرأة وإقراره بها.
أما في حالة مصر، فإن الأمور ليست بذات الوضوح كما هي في الحالة التونسية. فبالرغم من أن الحركات الشبابية التي قادت الثورة تطالب بمجتمع ديمقراطي مدني، إلا أنها ليست القوة الأكثر تأثيرا في هذا المجال، والتأثير الأكبر سيكون للقوى المحافظة وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، التي وإن أعلنت بعض المواقف التكتيكية الإيجابية، إلا أنه من غير المتوقع أن تسمح أو أن تؤيد الدرجة المتقدمة من الحقوق التي وصلت إليها المرأة في تونس.
وبغض النظر عن المواقف المحافظة التي يمكن أن تحاول حرمان المرأة من حقوقها الكاملة في الدولة المدنية، إلا أن الشيء الأكيد أن المرأة في العموم لن تقبل بمقعد خلفي في الدولة الجديدة.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »عنوان التعليق (الإسم)

    الخميس 26 أيار / مايو 2011.
    "على العموم لن تقبل المرأة بمقعد خلفي في الدولة الجديدة"...نعم ولكن ليس من خلال الرضا في ادماج مطالبها مع المطالب الوطنية والمتمثلة بالديموقراطية والمواطنة وغيرها ، مراعاة للمرحلة الحالية المتمثلة بالثورات والانتفاضات، كون الخبرات السابقة لنضال المرأة مع كافة الحركات الثورية كانت كافية لتؤكد العقلية الذكورية التي تسيطر على توجهات الافراد المنخرطين في هذه الحركات والنظر للمرأة وإن كانت مناضلة ولكن في اطار دورها التقليدي ليست قيادية . كما ان النظر الى مطالبها كما ورد " مطالب خاصة " فانا اعتقد ان مطالبها في تحقيق العدالة الاجتماعية بينها وبين الرجل ليس مطلب خاص وعندما نقول مطلب خاص انما هو تأكيد على انها مواطن درجة ثانية .كما ان المطالبة بالانضواء تحت مطالب وطنية سوف يعيد الكرة من جديد في اقصاء المرأة كون المجتمعات ما زالت ابوية وذكورية والتي هي السمة السائدة في كافة الدول العربية وفي انظمتها الحاكمة . هذه هي فرصة النساء في اثبات وجودهن حقيقة واتخاذ ادوار قيادية وفرض مطالبهن على الاجندة الوطنية لينظر لها كمطلب عام .
  • »عنوان التعليق (سهاد أحمد محمد)

    الخميس 26 أيار / مايو 2011.
    أتفق مع كاتب المقال بأن الحركات النسوية لم تأخذ موقعها في الثورات العربية إلا متأخراً وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على أنها لولا دعم الأنظمة الحاكمة لما كان لها وجود، فنسوية الدولة ظلت محرومة من الرافد البشري هذا الرافد البشري استطاعت الحركات الإسلامية النسائية استقطابه بدءاً من زينب الغزالي التي أسست القسم النسائي بالحركة الإسلامية إلى وقتنا هذا ،وهذا الاستقطاب إن دل على شيء فإنه يدل على قدرة الحركة الإسلامية على تلبية حاجة المرأة العربية وفطرتها والدفاع عن حقوقها ،والدرجة التي سماها الكاتب الدرجة المتقدمة من الحقوق في تونس التي فرضها النظام العلماني السابق قد لا تكون مطمحاً للمرأة العربية نفسها ،فالمساواة مع الرجل قد تكون ظلماً للمرأة وسيكون أول من يقاوم هذه المساواة المرأة نفسها وليس القوى المحافظة كما سماها الكاتب ،إلا ان الأكيد أن المرأة العربية المسلمة لم ولن ترضى بالمقعد الخلفي في الدولة الجديدة.