جهاد المحيسن

هذا هو الصوت الحقيقي!

تم نشره في الاثنين 23 أيار / مايو 2011. 02:00 صباحاً

ثمة من يؤذي النظام،  لأنّه لا يدرك بعد أنّ الإصلاح السياسي الحقيقي النوعي، الذي يعيد هيكلة اللعبة السياسية ويفتح الباب تماماً للحريات العامة ولتعزيز مفاهيم المواطنة وسيادة القانون، وتجفيف الفساد، والعدالة الاجتماعية، هو طوق النجاة للخروج من مربع الأزمات السياسية والاقتصادية التي تعصف بالبلاد والعباد.
أقول ذلك؛ لأنّنا نعرف تماماً بأنّ هنالك مسؤولين عباقرةً يصوّرون مطالبات الإصلاح السياسي بأنّها مقتصرة على آلاف يعبرون عن القوى السياسية في عمان، وأنّ المحافظات والعشائر الأردنية لا تريد الإصلاح السياسي، وأنّها تريد فقط تحسين ظروف الحياة الاقتصادية.
وإمعاناً في تجذير تلك الصورة النمطية الساذجة-السطحية، استُنفرت مخاوف وهواجس الناس في المحافظات والعشائر ضد حراك الشارع نحو الإصلاح، واسُتغلت بساطة مجموعات من الشباب والمواطنين لتأليبهم ضد مطالب الإصلاح.
بُذلت جهود هائلة لتضخيم دعاية غير صحيحة ومعكوسة، في أوساط المحافظات والعشائر، بدعوى أنّ الإصلاحيين يريدون اختطاف النظام السياسي، وتكريس الوطن البديل. بينما الحقيقة هي أنّ السياسات الرسمية هي التي تجسّد التوطين السياسي، بينما مخرجات الإصلاح ستعطّل هذا السيناريو.
ما حدث في الطفيلة (والكرك) من احتجاجات ومسيرات غاضبة، بعد أن مُنع رئيس الوزراء من دخول المحافظة، والبيانات السياسية التي نقرؤها من أبناء العشائر في معان والمفرق ومدن الشمال وغيرها، التي تطالب بإصلاحات جذرية، تكسّر تلك "الصورة النمطية"، التي أريد لها أن تؤطر أبناء العشائر والمحافظات وكأنّهم مجاميع من البلطجية أو الرافضين للإصلاح السياسي. تلك "الصورة النمطية"، فضلاً عن أنّها غير صحيحة، فإنّها تسيء للناس في المحافظات ومطالبهم العادلة المحقة في حياة كريمة، بعد أن تعرّضوا للتحطيم الاقتصادي، والحرمان الاجتماعي والتهميش السياسي، خلال السنوات الماضية بصورة غير مسبوقة. محاولات تيار رسمي تحويل غضب الناس على السياسات الرسمية ضد القوى الإصلاحية لم تنجح إلاّ مؤقّتاً في استدراج بعض البسطاء. أمّا النخب المثقفة المسيّسة والشباب المتعطش للتغيير فقد أعادوا ترسيم المعادلة الصحيحة والحقيقية في الأيام الماضية، وبعثوا برسالة مهمة وشديدة اللهجة لذلك التيار في عمّان بأن "احذروا الغضب القادم من المحافظات".
في مقالتين متتاليتين، في "الغد"، خلال اليومين الماضيين، أبدع الزميل د.باسم الطويسي، ابن الجنوب المثقف العضوي، في تفكيك رسالة المحافظات ووضعها في إطارها الصحيح بما تحمله من حجم الاحتقان والغضب وخيبة الأمل من سياسات الدولة.
أيها السادة، من تنعمون بالمناصب العليا ووافر النعم في عمان، من يعبّر عن أبناء المحافظات ومطالبهم وصوتهم الحقيقي ليسوا نخبة من الانتهازيين ولا السماسرة الذين يتطوعون لحشد مجموعات من الشباب المغفل ضد الإصلاح. فما عليكم إلاّ الذهاب إلى هناك والإنصات بحق لحجم الغضب الموجود. المسألة ليست "لقمة الخبز"، وإن كان عزيزاً على الإنسان أن يشعر بعدم القدرة على توفير حياة كريمة لأبنائه، وإن كان هنالك بالفعل جوع وحرمان وفقر في المحافظات. بل هي في جوهرها مسألة كرامة إنسانية، وعدالة اجتماعية، والشعور باستهتار رسمي بمستقبل الأجيال القادمة في تلك المحافظات مع غياب التواصل الحقيقي من المسؤولين الحكوميين، وتلاشي الوعود المزيّفة، وبقاء الفقر والحرمان والبطالة والمشكلات الاقتصادية وبؤس مستوى التعليم، ومحدودية الخدمات وفرص العمل، جميعها تخيّم على تلك المحافظات. صوت العشائر والمحافظات لا يعرف سقوف سياسيي وحزبيي عمان، فهو ينطق بصراحة ووضوح بالوجع والمرارة، وإذا بدأ بالصعود والارتفاع، فلن تنفع محاولات التجميل والتحايل والفهلوة في عمان!

التعليق