توته توته خلصت الحدوته

تم نشره في الاثنين 16 أيار / مايو 2011. 03:00 صباحاً

كان المذيع يقرأ خبراً عن زيارة زعيم عربي إلى مصر واستقباله من قبل رئيس المجلس العسكري في مصر. وفي الخبر أن الزعيمين بحثا في الوضع العربي، والسلام، وعزم مصر فتح معبر رفح، ودعم دولة ذاك الزعيم لمشروع إعمار غزة. وما كاد المذيع ينهي الخبر، واذ بالشاب العشريني الذي يجلس بجانبي يقول: أيوااااه! توته توته خلصت الحدوته. ثورة في تونس، وأخرى في مصر تنتقل منها إلى ليبيا واليمن وتصل إلى سورية، وإذ بمصر التي يفترض أنها غارقة في انشغالاتها بثورتها تقود مصالحة فلسطينية كانت استعصت على الجميع على مدار أكثر من أربع سنوات، ثم بذاك الزعيم الزائر الأول لمصر ما بعد الثورة، وبمصر تعتزم فتح معبر رفح.. أظن -والقول ما يزال للشاب- أن ما يجري في الدول العربية بات مكشوفاً وغير بعيد عن الأجندات الخارجية.
لن يتوقف الجدل حول محاولات التفريق بين صراع المصالح وما يعرف بنظرية المؤامرة في العلاقات الدولية؛ صراع المصالح ظاهرة طبيعية، ترتبط بطبائع الدول مثل ارتباطها بطبائع الأفراد، كما ترتبط بالمقدار نفسه بندرة الموارد، ولا يوجد ما يسوغ النظر إلى ما تعده الدول من خطط لتحقيق أهدافها في سياق هذا الصراع باعتبارها مؤامرات ضد بعضها البعض. أما نظرية المؤامرة فتؤسس لنفسها على أسس أخلاقية، تفترض أن مصلحة الدولة تنتهي عندما تبدأ مصلحة دولة أخرى، وهذا ليس من السياسة في شيء لأن مصالح الدول تتجدد دوماً وتحمل مسوغات تجددها معها. فلا حدود دائمة لخرائط مصالح الدول في إطار تبدل الأحوال الاقتصادية والأمنية، وتداخل علاقات المجتمعات البشرية لاسيما وأن معظمها من العلاقات العابرة للحدود السياسية.
ليست بدولة تلك التي لا تدرك حقيقة صراع المصالح بين الدول، ولا تعلم بمسلمة وجود خطط لدى الدول الأخرى لتحقيق مصالحها، ولا تعد بناء على ذلك مشروعها الوطني لحماية مصالحها. والقفز عن ذلك للحديث عن نظرية المؤامرة لا يعبر سوى عن بؤس إداراكها لصراع المصالح، وعجزها عن بناء مشروعها الوطني القادر على حماية مصالحها الخاصة. بهذا القفز ترتكب الدولة خطأ مركباً؛ فمن جهة تنكر تقصيرها في حماية مصالحها بإنجاز مشروع تستجمع به وحدتها الوطنية وإرادة شعبها، ومن جهة ثانية تنكر على الدول الأخرى حقها في امتلاك مشاريعها الوطنية الخاصة بها وسعيها لتحقيق مصالحها الحيوية، بل وترى في ذلك بالضرورة تآمراً على دول أخرى.
عودة إلى تعليق الشاب، وفي ضوء ما نراه فرقاً بين صراع المصالح وما يعرف بنظرية المؤامرة في العلاقات بين الدول، فإن أجندة خارجية مهما كانت الدولة التي تقف خلفها لا يمكن لها أن تحرك شعباً في دولة أخرى بالتوجيه عن بعد، لكنها بحكم ما لديها من أدوات تستطيع الدولة القوية أن تسعى لحماية مصالحها على نحو مؤثر في مواجهة أي ثورة شعبية، خصوصاً في مراحلها الأولى، للتقليل مما قد ترتبه على مصالحها من آثار سلبية. وربما كان هذا ما تفعله دول النفوذ مع ثورات الشعوب العربية التي أسقطت أنظمتها حتى الآن كي تقطع عليها الطريق قبل إكمال مهمتها.
يكفي الثورات العربية لو أنها فقط فتحت الطريق أمام شعوبها للتمتع بحقها في انتخابات ممثلة وخالية من التزوير. فالطريق لبناء دول ديمقراطية ما تزال طويلة، ولنتذكر أن رحلة تركيا من بداية انتخاباتها الممثله والنزيهة وحتى اكتمال النظام الديمقراطي وتحييد دور العسكر قد استغرق ستين عاماً لتصبح بعدها تركيا دولة ديمقراطية محترمة بدور إقليمي مميز وقرار مستقل إلى حد كبير.

التعليق