الإقامة في الأمل: مفاتيح العودة

تم نشره في الاثنين 16 أيار / مايو 2011. 02:00 صباحاً

هذي هي فلسطين. عيون فتية يفتحون صدورهم للرصاص ورئاتهم لقنابل الغاز المسيل للدموع، واقفين عند حدود الأمل، وهم يهتفون للعودة.
من كان يصدق أنه وبعد 63 عاما، تخللتها حروب وانكسارات وخيبات، بقي الفلسطيني يحفظ رنين جرس العودة، وما تزال صدحاته ترن في عقله وقلبه وروحه، حتى أورثها لأبنائه، ومنحهم شهادة حقهم في استعادة ما سلب منهم، وما ضيعه عرب، باعوا وضاعوا، ونكسوا الرايات. وها هي شعوبهم اليوم تثور عليهم، بعد أن سئموا من ممانعتهم وكذبهم وادعائهم بأنهم يحمون الحمى، ويذودون عن الأمة، ويتطلعون إلى تحرير فلسطين التي باعوها. 
في العام 2000، فيما الأسى يضرب أطنابه في كل أرجاء الوطن العربي، وفيما أنا أترقب بزوغ أول أبنائي إلى العالم، وقفت أتأمل الخيبة، وأنا اللاجئ ابن اللاجئ، أنا الذي شهد جنازات أعمامه وأبناء عمومته شهداء من أجل عودة فلسطين، أو غرباء عن تراب وطنهم.
كنت بين الفرح والتساؤل أترقب مقدم نزار، ولدي، فثمة ما سأحِّمله إياه، بعدما تحطمت الكثير من أحلامي بالعودة على صخرة القمع العربي والمنع العربي والاستسلام العربي والتخاذل العربي، والقتل المدبر لشعب عظيم، وبعدما وضع سياج في كل درب، لمنع الفلسطيني من مواجهة مغتصب أرضه، ولو بالكلمات.
لم يكن معي يومها سلاح، سوى الأمل. سلاح يبرق في عيني الصغير الذي كان علي أن ألقنه أول الكلمات وأول الأحلام وأول الآمال. كان علي أن أزرع في قلبه الغض بعد، ما حملني إياه أبي على فراش الموت من وعدي له، بأن أظل أحفظ فلسطين عن ظهر قلب حتى تتحرر، وما علي أن أحمله إلى أبنائي من بعدي، من حق بالعودة وتحرير فلسطين، فحكيت له كما لو أنني أؤدي طقسا شعائريا في باحة المستشفى، من هو ومن أبوه ومن جده ومن اغتصب أرضه، وأنشدت له ما أحفظه من أشعار لفلسطين.
فإن لم نحفظ فلسطين، وإن لم نرب جينات أرواحنا على حفظها، فإننا لم نكن سنشهد مقدمة ما نراه اليوم من الفتية الذين يفتحون صدورهم للرصاص من دون أن يخافوا أو يرتجفوا من عدو، يمنعهم من العودة إلى تراب الآباء والأجداد.
كل فلسطيني يحمِّل أبناءه منذ ساعة منبتهم، وبزوغهم إلى الحياة، فلسطينهم التي لن تضيع. لقد نضج الثمر اليوم، نضجت فكرة العودة، وجاء جيل جديد من الفلسطينيين، يعرفون كيف يقفون في مواجهة الخوف وردعه، ويعرفون كيف يقاومون المنع والقمع ويتحدونه، ويضعون حدا لمن خانوا حلم آبائهم.
من شهد يوم أمس 15 أيار (مايو) 2011، على كل الجهات التي تحيط بفلسطين، يدرك جيدا، أن فلسطين لم تعد تبعد عن العين سوى مرمى حجر، ومن سمع تصريحات زعماء العدو، يدرك تماما أن ما ستشهده الأيام المقبلة، لن يكون سهلا على هذا العدو، الذي بات مصيره في يد من كان أول ما حفظوه من آبائهم الذين شردوا من فلسطين، هو: فلسطين.

التعليق