مكافحة الفساد مضمون وليس شكلا

تم نشره في الثلاثاء 10 أيار / مايو 2011. 02:00 صباحاً

أظن أن المواطن الأردني الذي ضاق ذرعا بفشل متواصل سببه مقدرات منهوبة أمام مؤسسات رقابة معطلة، لا يأبه كثيرا للجدل الدائر حاليا حول مرجعية المحاسبة في ملفات مكافحة الفساد، وليس مهما بالنسبة له أن تستأسد جهة على أخرى، فهو ضحية كما يرى نفسه لنهب منظم وعبث متراكم تقابله سلطات رقابية رخوة.
أين كانت مجالس النواب، وبيع موجودات البلاد يسير على قدم وساق؟ وأين هو ذكاء الرقابة؟ لمنع تفشي العجز في موازنات لم تكن تعير أي اهتمام لقدرات الدولة المالية وظلت أسيرة لمديونية تزيد يوما بيوم، حتى أمست عبئا وشبحا يلاحق صغارنا ويهدد مستقبلهم بعد أن قض مضاجع الآباء والأجداد، والأمور تقاس بخواتيمها، فاذا كانت مؤسسات الرقابة وعلى رأسها البرلمان قد قامت بعملها على نحو جيد، فما السبيل إلى تفسير حال الفشل التي تطالع كل مواطن فقير عندما يمد يده إلى جيبه بحثا عن نقود؟ ومن المسؤول عن تلك الحال؟.
من نافلة القول التطرق إلى أن موسم شراء الذمم تفشى قبيل انتخابات البرلمان الحالي، وشهدت البلاد بورصة مخجلة لتسعير الأصوات- من دون أي محاكمات لمشتري الذمم جهارا نهارا- ضاع معه أي حديث عن النزاهة والرقابة والقيمة السياسية لمؤسسات دستورية من المفترض فيها أن تكون القدوة والمثال، ليس هذا وحسب، بل إن ملفات فساد ثقيلة تكشف صفحاتها تعيينات بالواسطة والمحسوبية لصالح قوى تصر على ممارسة الواسطة والمحسوبية في أي قرار تعيين، وهي نخب سياسية واقتصادية وعلى رأسها أبناء وأقارب بعض السادة النواب، ولمن لا يعلم عليه أن يمر بسرعة على الأسماء التي عينت في مؤسسة موارد التي أصبحت أثرا بعد عين.
او لم تطل علينا هيئة مكافحة الفساد سابقا لتقول إن الفساد الإداري هو الأكثر خطورة في الأردن، وان امراض الواسطة والمحسوبية وعدم التقيد بالقوانين تقلل من فرص الدولة للانتقال من واقع متخلف ورث إلى آخر قانوني وشفاف ونزيه، ولكن الاطلالة لا تكفي، فماذا فعلت مكافحة الفساد لتقطع دابر الفيروسات التي تعزز من هذه الأمراض يوميا؟، وانا هنا لا أقلل من جهدها ولكنه متواضع جدا امام حجم الانتهاكات التي ترتكب بحقوق الشعب الاردني.
ثمة حقوق تضيع، وترتكب مع كل إطلالة شمس مئات الانتهاكات بحق القانون والنزاهة والشفافية وقبلها كلها بحق الانسان، ويمارس تلك الانتهاكات احيانا من انيط بهم مهمة المحاسبة والرقابة، وترتفع كلفة الفساد تباعا وتصل الى مبالغ بأصفار تسعة، وليس خافيا على الجميع ان المسألة تسير دائما برعاية مكشوفة، فحتى تهريب خالد شاهين المدان بقضية فساد الى خارج البلاد بات لغزا يكشف جانبا من رعاية الفساد والإفساد. كلفة الفساد تمس مباشرة الاقتصاد الاردني، وتشير دراسات محلية الى ان كل دينار يقدم رشوة لأحدهم تتكلف الدولة سبعة أضعافه على شكل خسائر في جوانب مختلفة لا سيما في العطاءات والمشاريع الانشائية، وتتعمق كلفة الفساد بسبب استمرار الرشوة والمحسوبية والنظر الى دور النائب الخدماتي بوصفه منجزا حضاريا وسياسيا، وكأن دور النائب البحث عن وظائف بالواسطة والمحسوبية لتوطيد علاقته بناخبيه وليس التشريع او الرقابة.
مكافحة الفساد ليست بالونات اختبار تتطاير في الهواء من وقت لآخر كما انها ليست تصفية حسابات عندما يختلف الشركاء وهي قبل ذلك مضمون وهدف، ولو كانت مؤسساتنا الرقابية تعمل بكامل طاقتها لما تفشت امراض الفساد ولما ضاع مضمون مكافحة تلك الامراض لندخل بعده في جدل مرجعيات الرقابة.

التعليق