دكان القرية

تم نشره في الاثنين 9 أيار / مايو 2011. 03:00 صباحاً

في زمن بعيد، كانت دكاكين القرى تضم ما كان يحتاجه الناس؛ فتجد فيها السكر، والشاي، والملبّس والراحة والكعيكبان، وأصابع الحلاوة، والبيض، ودلو البئر، و"حذوة الحصان" والأحذية، و"البنورة"، والقمح الذي كان مادة للمقايضة حيث يشتري الناس بالقمح حاجاتهم، وأيضا تجد بعض قطع القماش، والملح، والبهارات مثل العصفر والكركم وغيرها.
وكانت دكاكين القرى تكفي أهلها إلا من بعض البضائع المهمة التي تحتاج الذهاب إلى سوق المدينة. وكل من يدخل دكان القرية يجدها حالة غير متجانسة، لكنها كانت واضحة المعالم للناس الذين يعرف كل منهم مكان كل نوع لكثرة التردد، أو لجلوسهم على باب الدكان.
لكن لو أن أحدنا استأجر محلا فاخرا في مجمع تجاري كبير وفتح به دكانة مثل دكاكين القرى القديمة، وإلى جانب محلات الموضة والتكنولوجيا والمكياج والخلويات وأجهزة الكمبيوتر وغيرها من المحلات التي نراها، فإن هذه الدكان قد تجلب الانتباه للزوار باعتبارها تحتوي أشياء غريبة، لكنها شيئا فشيئا تتحول إلى كائن غريب في المكان، وبعد فترة أخرى تصبح عبئا على المكان لأن حالة الدهشة منها تزول ويبقى واقعها الأليم أنها خارج الزمان والمكان.
وفي عالم العمل السياسي وحتى الاجتماعي، هناك خروج من الزمان والمكان، ولهذا كانت ضرورة التجديد والتطوير حتى لا تتحول الدول أو الهيئات أو الأحزاب، أو حتى الأشخاص، إلى ما يشبه دكان القرية القديمة في مجمع تجاري ضخم وحديث. وبعض الأشخاص أو حتى بعض القوى تعتقد أنها تصلح لكل الأزمان ومع كل الأجيال، حتى رغم كل التغييرات. ولهذا تجد شخصا احتل مكانا قبل عقد أو عقدين وكان ناجحا، عندما يعود إلى ذات الموقع أو ما يشبهه يجد نفسه مرتبكا غير قادر على مواكبة طرق العمل لمن يعمل معهم، كما أنه ليس قادرا على أن يقدم خطابا وأداء مقنعين.
المواقف والمبادئ تصلح بتغير الأزمان، لكن طرق العمل والأشخاص، وحتى الحسابات والمعادلات تتغير. ومن يخطئ بناء معادلات المراحل الجديدة يدفع ثمنا. وأي جهة تبقى تحمل ذات "البضاعة" من طرق التفكير، وتبني عملها على أسس مضت وتغيرت قواعدها، تتحول إلى دكان قديمة تضيع في زحمة المجمعات الكبيرة وآليات السوق المتطورة.
وفي القول المأثور: "علموا أولادكم لزمانهم فقد خلقوا لزمان غير زمانكم"، أي إن لكل جيل علوما وطرقا حياة ووسائل تفكير. ولهذا فإن الأمر يمتد أيضا إلى كل أنواع العمل السياسي والاجتماعي والتعليم، ومن ارتضى أن يدخل كل الأجيال بذات البضاعة والأدوات فإنه إن تحول في إحداها إلى أمر مدهش ولافت، لأنه قادم من الزمن البعيد. فهو إن جلس مع تجار أو علماء أو أي فئة من الجيل الجديد سيجد نفسه عبئا على نفسه، فإما أن يكون قادرا على التعامل بمعادلة ونهج جديدين، وإلا فليختر لنفسه مكانا كريما على ما أنجز، وليس لأنه كجهة أو شخص بطل من أبطال المراحل المتجددة. فلا يجوز حمل ذات البضاعة في كل العصور والظروف والمتغيرات، فهي ليست كالمبادئ التي يجب أن ترافقنا في كل الأجيال والمراحل.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »كانت قطعة ستيك يوم أمس ..واليوم اصبحت جيفة (د. عبدالله عقروق / فلوريدا)

    الاثنين 9 أيار / مايو 2011.
    مقال هادف جدا يا حضرة المستشار .وفيه نصيحة وتوعية وهدف بأن واحد .وحبذا لو يتقنه سياسيونا الذين أكل الدهر عليهم وشرب ..ارى من يتهجأ " العلم نور" هكذا ، والبعض يتهجِأها وييكتبها ويصر على انها هكذا ، "العلم نورن " فالوردة الجميلة عندما تبهر الناس بجمالها ورائحتها العطرة تذبل لتفسح المجال لزهرة صغيرة تبرز حول مكانها لتكبر وتصبح فواحة مثل الزهرة التي ذبلت..وارجو أن أنقل الى القراء طرفة حدثت مع احد رؤوساء وزراءنا السابقين .فقد عزم بعد أن اقيل من منصبه أن يذهب ليتناول طعام العشاء في احدى المطاعم الشهيرة الفاخرة..وعندما استققبله الموظف المسئول ، اعتذر منه وقال له ان المطعم محجوزا ، وليس هنالك طاولة له ..فصاح دولته وعربد وقال انا رئيس وزراء سابق ويجب ان تجد لي مكانا هنا ، وطلب أن يقابل المدير .حضر المدير فورا ، وكرر اعتذاره لدولته .حينها علا صوته وبدا يصيح بأعلى صوته ..انا فلان الفلاني ووعد بأن يغلق المطعم . فأخذه المدير الى دورة المياه ، واطلعه ما موجود في المرحاض ، وقال له يوم أمس كانت ما تشاهده في المرحاض قطعة ستيك ، أنظر ما صارت اليه اليوم ...انتهى الحوار ودلدل دولته اذنتيه وانصرف