هاني البدري

قنوات الثورة المضادة

تم نشره في الاثنين 9 أيار / مايو 2011. 03:00 صباحاً

أخيراً اعترفت مها المُدَرِسَة بأنها وقعت في غرام أحد تلاميذها، فيما صَعقت عبلة الجماهير عندما اعترفت بأنها سرقت مراراً من جيوب زوجها.
وأخيراً عرفت أنا فعلاً أن العرب موهوبون على طريقة البرنامج الشهير، وأن الأرض العربية الخصبة، المعطاءة، مدججة بالدرر والمواهب الدفينة التي أتت أُكلها وحان قطافها لتكون المثل والقدوة لكل الشباب العربي التائه بين خطوط "التشات" ودهاليز البحث و"الدونلودر" وأزقة الحب الافتراضي والتعارف السهل المدعوم بأحدث تكنولوجيا الصوت والصورة والمؤثرات. وها هم مئات الشباب العربي يمتطون صهوة أحد برامج الواقع الفضائي في قنوات الواقع، ينطلقون ليعبروا عن مواهبهم كوجبة أولى من شباب يحلمون بالشهرة والملايين عبر نسخ ممسوخة من برامج عالمية تدعم المواهب الشابة.
برامج تجتذب القاعدة الأوسع من الجماهير، وأخرى حاشدة من الشباب، كلٌ يخبئ في جعبته مفاجأة أو حلماً قديماً، أو ربما ليخوض غمار اللهاث وراء الملايين السهلة والسيارات الفارهة وأبواب الشهرة الواسعة.
برامج واقع ضحل ولجان تحكيم ومشاركون وجماهير، فيما نخبة من مبدعين شباب من نوعٍ آخر من البشر، كانوا يسطرون لنا لوحة أخرى، ويحفرون فهماً جديداً للموهبة وللحلم الذي لم يكن وهماً في يوم.. يؤكدون لنا بطريقتهم أن للعرب مواهبهم الأخرى أيضا.
شباب ميادين الحرية وساحات التغيير العربية كانوا أقدر على قراءة المشهد من قنوات أخذت من الأسرة العربية عنواناً وهدفاً، وانطلقت لترسم للواقع العربي شكلاًً آخر لا يمت للأسرة ولا للواقع بأي صلة. هؤلاء الشباب الذين يظهرون اليوم على عكس ما استقر في قناعاتنا بسبب الشرائح المترهلة المتوهمة من الشباب العربي التي تبرزها مثل هذه القنوات. يظهرون بثقة وبمنطق الخطاب الذكي المتقن، المُحَاور، الجاد والغيور.
أين إذن أولئك الشباب الذين نراهم على برامج النكات المبتذلة والحوارات المسطحة وحكايات ضد التيار.. وأسرار الخط العريض؟ أين دموع الرجال في ستار أكاديمي وسوبر ستار عند المغادرة.. وضحالة الوجوه التي نراها فلا نعرف لها صفةً ولا انتماءً في برامج أخرى من تلفزيون الواقع؟ أين سطحية الحوارات التي يتجرعها الجمهور بين شباب ومشاركي البرامج تلك؟ أين العنابر التي تبث ساعات النوم الطويلة لمشاركي بعض البرامج في بثٍ حي ومباشر، فيما جمهورٌ غفير يقضي الساعات الطويلة هو أيضاً، على أمل؟!
إذن، أنتم من يعبر عن الواقع يا شباب الميادين العربية وروادها وقادة مستقبلها، وليست أبداً قنوات الواقع التي تُصر في كل لحظة أن تؤسسَ لواقعٍ غير واقعنا، وأن تربي أجيالاً على وهم الواقع الكاذب المؤلم، وتتجاوز مشاعر جماهير واسعة فقدت أعزاء لها في ميادين الكرامة والحرية.
شاشات تشيح باهتمامها عن كل تلك المواهب الخلاقة التي ظهر بها شباب الحرية، وتُمعن في ضرب الواقع العربي بكل أسلحة التسطيح والتجميل والإلهاء.
تُتحفنا إحداها بقطعة تدعى "بحر شط الهوا"، بكل ما تحمل من سطحية واستهانة بذائقة الجمهور واستخفافاً بما بقي من عقله، فيما العرب، شباباً وأسراً ومدناً، برسم السقوط في بحر شط الغباء السياسي والتعنت والصلافة و"قلة الأدب".
هذا هو الترف الزائف والصورة اللامعة التي اقحمتها الشاشات لحياتنا عبر قصورِ وأزياء ووجوهِ وقصاتِ النجوم الأتراك في عشرات الأعمال فيما يتصادف في هذا الزمن العربي العصيب أن يكون نصيبنا منها "العشق الممنوع" الذي بات أمام أطفالنا وشبابنا عشقاً مسموحاً بمعايير الواقع التلفزيوني العربي الجديد.. ثم "لحظة الحقيقة" مترجمةً عن البرنامج العالمي بنفس الاسم والروح، لكن البشر غير البشر وقضاياهم ليست كتلك.
"كم مرة غازلتي مديرك لتحصلي على ترقية؟.. وهل فكرتَ بخيانة زوجتك؟.. وأذكري لي المرات التي سرقتِ بها من جيب زوجك..". وهكذا تتجلى لحظة الحقيقة فترتاح النفوس ويتحقق الإبهار ويفوز من عاش لحظة الحقيقة بمئة ألف ريال.
أتعرفون، أعتقد أن حبوب الهلوسة التي تحدث عنها أحد أصحابها على ميادين الواقع العربي المبشر بالخير ليست هي إلا هذه البرامج. ففيما مبدعون شباب يُعَرّون بوعيهم الفاسدين والظالمين، يقوم أنصاف النجوم بجهلهم بتعرية هموم الناس وحاجاتهم. ألا يكفي أن الابتذال وصل إلى الحد الذي أُعلن فيه "مطلوب رجال"!
شباب ميادين التحرير هم أبطال الموهبة الخلاقة الحقيقيون الذين أرسوا لواقعٍ عربي جديد، لا أُولئك الذين "يُنَطْنِطون" ويمتطون بنشوةٍ زائفة صهوةَ السطحية والجهل الذي صنعه واقع سياسي على امتداد الأرض العربية.
لحظة الحقيقة لا تقول إلا إننا بأمس الحاجة لوقفة جادة لتقييم ما فعله شباب التغيير.. وإلا فإن فضاءنا التلفزيوني يحمل -قصداً أو جهلاً- بذور ثورات مضادة.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »رائع جدا (رائع)

    الاثنين 9 أيار / مايو 2011.
    هاني البدري يتالق - كم من مواهب لدينا ولكن تلفزيون الواقع غيبها
  • »ثورة على التفاهة (جورية)

    الاثنين 9 أيار / مايو 2011.
    صباح الخير أستاذ هاني و شكرا على المقال المميز في الطرح و اللغة القريبة من الناس .
    نعم لقد قدمت الشاشات العربية الغير اخبارية نموذجا اعلاميا مخجلا لا يتناسب مع حجم الأحداث الجسام التي ستغير في التاريخ . و قد وجدت نفسها هذه القنوات ليس فقط على ضفة الحياد بل التحيز للتفاهة و السطحية في حرب تشكل ثورة مضادة ضد ثورة الشعوب العربية الشريفة . و لكن و لأن ادراك الشعوب لا تنطلي عليه هذه الخدعة فأظن أن تلك المحاولاتباءت بالفشل لأنني حتى الآن لم أصادف أحدا يحترم أو يتابع تلك البرامج بعد .
  • »الهيرويين الجديد ! (معاذ سالم)

    الاثنين 9 أيار / مايو 2011.
    هذا يا سيدي هو هيرويين آخر جديد , يضاف إلى سلسلة المخدرات والمؤثرات العقلية شديدة السمية كونها تؤدي -وصدّق أو لا تصدّق- إلى زيادة الغباء في أدمغة من يتابع هذا السقوط المريع في الخطاب الاعلامي! هل نسيت شيئاً؟ نعم!! برشلونة ريال مدريد وبالعكس !