دستوريون أكثر من الدستور

تم نشره في الاثنين 9 أيار / مايو 2011. 02:00 صباحاً

هناك من ينتصرون لموقف ما أكثر من أصحاب الموقف أنفسهم.من هؤلاء من يرون في الدستور قداسة تجعل شبه مستحيل إجراء أي تعديل عليه  ما يجعلهم دستوريين أكثر من الدستور الذي يقر بذاته الحق في إجراء التعديلات عليه بنص ورد في المادة 126 منه، تقول "تطبق الأصول المبينة في هذا الدستور بشأن مشاريع القوانين على أي مشروع لتعديل هذا الدستور..".
على أي حال، إن أكثرية من ينادون بتعديل الدستور يستنكرون أيضاً كثرة التعديلات عليه، ولذلك يطلبون العودة به إلى دستور 1952، أي إلغاء معظم التعديلات التي جرت عليه حتى الآن. فهم بذلك ليسوا مع التعديل على الدستور إذا لم يكن التعديل ضرورياً لتحقيق مصلحة عامة عليا، فكيف إن كان لإضعاف مجلس النواب ركن الحكم الأول، ولتسهيل تغول السلطة التنفيذية على السلطتين التشريعية والقضائية على نحو ما تم في أغلب التعديلات التي جرت على الدستور حتى الآن؟
بعيداً عن المتحفظين على التعديل والداعين إليه، دعونا نقرأ ونتأمل المادة 53 من الدستور التي تحدد شرط نيل الحكومة لثقة مجلس النواب، ونتصور كيف أنها تعطي الثقة للحكومة من دون أن يعطيها الثقة نائب واحد من المجلس! فهي تنص على أنه "إذا قرر المجلس عدم الثقة بالوزارة بالأكثرية المطلقة من مجموع عدد أعضائه وجب عليها أن تستقيل"، ما يعني أن الحكومة تحصل على الثقة إذا لم يحجب الثقة عنها
51 % من النواب. وعليه، فإنه لو حجب الثقة عنها 60 نائباً وامتنع عن التصويت بالثقه بها 60 نائباً لفازت الحكومة بالثقة. تصوروا حكومة يمكن أن تفوز بالثقة على هذا النحو، بينما الأصل أن يأتي نص المادة بجعل نيل الحكومة للثقة رهناً بحصولها على ثقة 51 % من المجلس.
غريب أن يبدأ النص بـ"إذا قرر المجلس عدم الثقة بالوزارة.."، لأن الأصل الثقة وليس عدم الثقة. وعليه، وجب أن يكون النص "إذا قرر المجلس الثقة بالوزارة"، خاصة وأن الجلسة تسمى جلسة الثقة وليس جلسة عدم الثقة. لماذا لا يصحح هذا المنطق المقلوب ويعدل نص المادة، بحيث يصبح أمر الثقة مرهوناً بعدد المصوتين بالثقة وليس بالحجب كما هو الآن؟ مع أن المطالبة بذلك بدأت منذ العام 1952 إثر انسحاب المعارضة التي مثلها 17 نائباً من 40 نائباً من جلسة الثقة بحكومة المرحوم توفيق أبو الهدى.
لا ننسى أن دستورنا جرى تعديله منذ العام 1952 وحتى الآن تسع مرات، شملت 29 تعديلاً أصابت 21 مادة. جرى أول تعديل العام 1954، وآخر تعديل العام 1984. وتكرر التعديل مرتين على كل من المواد 45 و74 و33 و45 و102، بينما تكرر التعديل أربع مرات على المادة 73، أما المواد الأخرى المعدلة، وعددها 15 مادة، فأصابها التعديل مرة واحدة. ومن بين هذه التعديلات الأكثر خطورة التعديل الذي تم العام 1958 على المادة 94 وأخلّ بالمحددات والشروط الخاصة بإصدار القوانين المؤقتة، والتعديل على المادة 73 العام 1974 وسمح بغياب الحياة النيابية بتأجيل الانتخابات لمدة سنتين، ثم التعديل الثاني عليها العام 1976 الذي سمح بتأجيل الانتخابات لمدة مفتوحة.
الدستور ليس مقدسا ولا منزها عن إعادة النظر فيه. فهو تشريع وضعي تعاقدي صنعه بنو البشر ليكون عقداً بين الشعب والحكم الذي يرتضيه لنفسه. ولأنه كذلك، فهو قابل لإعادة النظر والتغيير بالإضافة أو الحذف أو التعديل بما يستوجبه تغير الأحوال من مراعاة لحقوق الإنسان وتحقيق للحرية والعدالة والحيلولة دون تغول سلطة على أخرى.

التعليق