إبراهيم غرايبة

أخبار ما حدث وما سوف يحدث

تم نشره في الثلاثاء 26 نيسان / أبريل 2011. 02:00 صباحاً

الأزمة القائمة اليوم لدينا وفي جميع الدول العربية لم يمكن ممكنا التنبؤ بها فحسب، وإنما تأكيدها أيضا. والمفاجأة الوحيدة فيها أن الكثيرين متفاجئون بها. فعندما تكون الأمور تسير في غير مسارها الصحيح لا بد أن تحدث الأزمة، هكذا ببساطة. وقد كانت الأزمة تلقي بظلالها وآثارها علينا منذ منتصف الثمانينيات، كما حدث في العالم كله، ولم يكن ذلك خاصا بنا، وكان الاعتقاد بأننا مختلفون عن العالم أو أن لنا خصوصية (نعم لنا خصوصية) تجعلنا بمنأى عما يحدث، يساوي الاعتقاد بأننا نعيش خارج الكوكب، أو لعلنا سقطنا من الكوكب في أثناء دورانه.
وكانت أحداث العام 1989 في بلدنا وفي العالم بأسره، وبخاصة أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي، إنذارا واضحا بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الكبرى، وبحلول استحقاقات إصلاحية كبرى لا مفر منها. ولكننا، ويا لشديد الأسف (حكومات ومجتمعات وأحزابا ومعارضة وشركات)، اعتقدنا أن تجاهل الأزمة يلغيها، وهربنا إلى مناصرة العراق ومواجهة الاحتلال والهيمنة العالمية (مناصرة بماذا؟ ومواجهة بماذا؟)؛ هربنا في الحقيقة إلى الوهم والخيال، لم نلتفت إلى أزمتنا الحقيقية ولم ننصر العراق ولم نؤذ الولايات المتحدة إلا كما قال أحدنا "أوسعتهم شتما وأودوا بالإبل". ثم كان السلام مع إسرائيل هدية لنا حكومات ومعارضات، حكومات تسترت بحماية السلام لتهرب من الاستحقاق الإصلاحي، ومعارضات تسترت بمواجهة التطبيع لتهرب هي أيضا من الاستحقاق. كانت لعبة ذكية من الحكومة مررت بها التراجع عن الديمقراطية والتنمية والإصلاح وعطب سياسات الخصخصة على نحو هو أبشع ما يكون في التاريخ والجغرافيا، وصدقت المعارضة والمجتمعات أن الصراع بين التسوية والممانعة، وليس بين العدل والظلم بين الإصلاح والفساد، بين التنمية والاستغلال.
لم يكن ذكاء وعبقرية الحديث في منتصف التسعينيات عن الطبقة الوسطى ودورها المفترض وما يؤدي الإضرار بها وتجاهلها من نكسات اقتصادية واجتماعية وتنموية، ولكنه كان حديثا (ولو فتشنا أدبيات منتصف التسعينيات لوجدنا أمثلة معقولة) أقرب إلى العمل السري في الأقبية، تطارده الحكومات والمعارضات والأصوليات، الأصوليات السلفية والولائية والشركاتية.
وجلب علينا الإرهاب بخيله ورجله، الإرهاب الأصولي والإرهاب المكافح/ الشريك، وصار الحديث عن الفقر والفجوة الاقتصادية وانهيار الخدمات التعليمية والصحية مؤامرة في نظر الحكومات والمعارضات.
ولكننا ومنذ منتصف الثمانينيات لم نقترب من أزمتنا الحقيقية، وواصلنا تجاهلها باستمرار وإصرار، حتى حدث لنا مثل ما حدث مع أهل الفتاة الذين فوجئوا بأنها ولدت من غير زواج، تبين أنهم لا يعرفون شيئا، هل تبين ذلك أم أنهم يتظاهرون بعدم المعرفة، لم يروا من قبل بطنها المنتفخ، ولم يلاحظوا غيابها الطويل، وسلوكها المشين؟ وهبوا جميعا غاضبين لحماية الشرف بمن فيهم الوالد الحقيقي للطفل!

التعليق