هاني البدري

15 يوما على ذمة التحقيق

تم نشره في الاثنين 18 نيسان / أبريل 2011. 02:00 صباحاً

"قررنا نحن حبس المتهم 15 يوما على ذمة التحقيق". سرت برودة الدنيا في عروقه، طأطأ كبرياءه ثم تحرك متثاقلا، تمنى لو تبتلعه الأرض في تلك اللحظة قبل أن يرى عمره في عيون من ينتظرونه خارجاً. في الخلفية أصوات تتعالى "يحيا العدل".
لكم خوت العبارة من مذاقها الحقيقي. كانت تأتي باردة، سمجة، من دون روح، وكأن الممثلين الذين أدوا أدوار رجال النيابة في السينما العربية أجمعوا على أداء العبارة بهذا الخواء الذي لا يوصل المعنى حتماً إلى الجمهور. اليوم، ولأول مرة، اكتسبت طعماً آخر عندما حملت فيما حملت أسماءَ كبيرة ملّ الصبر من انتظار يومها، وحملت أحداثاً جسيمة فأسقطت من اعتقدنا أنه لا يسقط.
"15 يوماً على ذمة التحقيق" أخذت شكلاًً آخر عندما برّدت قلوب من حرقتهم نار الظلم، واستعصت عليهم فتات أيامهم بعد أن طحنتها أحلام الكبار ومشاريع الفاسدين.
لأول مرة في تاريخنا يشعر المواطن بأن الرؤوس قد تساوت بعد أن اتسعت الفروق إلى أن أصبحت الأسماء أكبر من أصحابها وأعظم من أحلام الناس، وبعد أن أصبحت قصص فسادهم نوادر وأخباراً لطيفة تتناقلها زوايا النجوم والمجتمع، وتدور في أمسيات الناس.
أتعرفون ماذا فعلت "15 يوماً على ذمة التحقيق"؟ عَلَمَت الناس في مصر وتونس أن لسان حالنا "اللهم لا شماتة"، لكنها ذَكَرَت العرب بأن أولئك الذين نفختهم أبواقهم ووزراء إعلامهم ودواوينهم هم أناس مثلنا، أو لعلنا أحسن.. بشرٌ يخططون بليل لصالح جيوبهم فقط، حتى وإن غرتك الطلة والحضور والكشرة المطلية بمشروع ابتسامة تكاد لا تخرج "لزوم الهيبة".
يمكنهم مثل أي "صغير" أن يُزوّروا في الأوراق، ويغيروا في الجداول، ويمسكوا أوراق النقد (الكاش) ويختلقوا مهمةً إلى لندن، ليودعوها بأنفسهم في حسابهم البنكي. ناس هم أقل جداً من عاديين عندما يتصل الأمر بمصالحهم وثرائهم.
العبارة علّمَتنا أيضاً أن المسألة ليست في أزمة فرص العمل والفقر والجهل والرأي، هي أولاً حكايتنا التي طالت مع الفساد، ومع أولئك المبتسمين شديدي الأناقة من نجوم السياسة والأعمال الذين كدنا لا نصدق أنهم بهذه النجومية الطاغية يمكن أن يمدوا يدهم. ها هم مدّوها على طول ذراعهم.
دفعتني العبارة لأتساءل معكم كم مازال عندنا من هؤلاء النجوم الذين هم بأمس الحاجة أن يُمنَحوا 15 يوماً على ذمة العدالة وعلى ذمة مراجعة النفس والضمائر؟ أليست كثيرة هي الأسماء التي تختلق عادة مهمات إلى أوروبا لذات السبب؟ ألم ننتبه بعد أن عبارة "ممنوع الاقتراب" قد انتهت صلاحيتها ولم يعد هناك من هم محصنون من الاقتراب بين المسؤولين والوزراء، ومن فرختهم مؤسسة زواج السلطة بالمال؟ ثم ألم نتعلم أن الكثير من مفاهيمنا المجتمعية في التعاطي مع العمل العام قد أثبتت أيضاً فشلها؟ فوراء كل فاسد تقف خلف القضبان قصة تطول روايتها، ووراء الكثيرين ممن تعج بهم المؤسسات والإدارات قصصٌ لم تُرو بعد، ولعلها لن تُروى إن بقينا على آلياتنا العقيمة ومفاهيمنا البلهاء.
"هذا المسؤول بيقولوا انه شبعان وغني من دار أبوه.. أكيد مش رح يسرق"، مللنا الأسطوانة المشروخة، ثم ماذا كانت النتيجة "الجوعان له قصة مع مال الناس والشبعان له قصص وبطولات".
المسألة إذن ليست في الطبقة أو الفئة أو المجتمع الذي يفرز المسؤول، وإنما في قوانين المساءلة والمحاسبة والشفافية و"العين الحمرا" واستقلالية القضاء. أليس من زَوّرَ إرادة في الصناديق بحاجة لأن يُمنح 15 يوماً على ذمة السؤال؟ والآخر الذي صادر الرأي والحريات وضَيّق على الخلق ماذا عنه؟ أتكفي 15 يوماً على ذمة التحقيق لمن وضع مدونة سلوك جوفاء، ومن تسبب بهدر أموال الناس ومقدراتهم؟ كم يكفي لأولئك الذين بلعوا مؤسسات البلد في جيوبهم ثم تضاعفت الديون الخارجية ليبقوا على ذمة العدل. لعل بعض الزعماء، وكبار الفاسدين العرب أحوج إلى 15 سنة على ذمة التحقيق، لأن بعض الجرائم أكبر من أصحابها حتى، وأكبر من كل الأيام والسنين.
العبارة ببساطة، ساحرة، تُشفي الغليل، وتُطلق حالة من الرضا لدى أناس حُرموا العدالة والحياة والرأي وارتهنت أصحاب الياقات "اللامعة" أرزاقهم.. فلنستفد من النموذج المصري الذي أثلج الصدور، ولنؤكد عندنا حسن النوايا. دعونا نرى ونتابع أخبار التحقيق مع الفاسدين بإعلام يتوخى الدقة والمهنية بعيداً عن مدونات لم تحم إلا أصحابها. دعونا ننتصر لدولة القانون.. ودعونا نسأل أنفسنا: مَن بعد يحتاج ُ إلى "15 يوماً على ذمة التحقيق"؟

التعليق