الكفاءة في مواجهة استمرار الفشل

تم نشره في السبت 16 نيسان / أبريل 2011. 03:00 صباحاً

على قدر أهمية تحويل أي فاسد أو مشتبه به إلى المحكمة، تبرز في الجهة المقابلة أسئلة المسار الاقتصادي والسياسات التي سلكناها فيما مضى من سنوات، ومدى رشد الإدارة في بلادنا من عدمه، وهو ما يتصل مباشرة بالحاجة إلى إيجاد بدائل في تلك السياسات تمهيدا للوصول إلى الحكم الرشيد والنزيه. صحيح أن المواطن الأردني يفرح كلما حُول فاسد إلى القضاء، ولكن الصحيح أيضا أن نعقد مراجعة عاجلة لأحوالنا الاقتصادية وندرس الأسباب التي أدت إلى تغول هذا المسؤول أو استباحة المال العام أو تدمير هذه الشركة، ولنذهب إلى السؤال الأكثر إلحاحا، هل مسارنا الاقتصادي وسياساتنا بخير؟ وهل لدينا ما يكفي من أنظمة الضبط والمحاسبة والرقابة؟
الإجابة عن السؤالين الآنفين في تقديري تحوم حول "لا" ولعل ضبابية المسار الاقتصادي وتعدد سياسات كانت وما تزال سببا فيما حدث وما سيحدث، ويرتبط بالتشخيص والعلاج جملة من ملامح الضعف التي لا يجوز السكوت أمامها.
ظهر في محيطنا مسؤولون جاؤوا من رحم بيئة الأعمال، وعدد منهم أخفق وأفسد منهم كثير، بينما كانت الإدارة في التاريخ الأردني القريب تناط برجال عرفوا الوظيفة العامة وتدرجوا فيها وأخلصوا للدولة فعلا لا قولا، ولم يذكر عن كثير أنهم اختلسوا المال العام أو أفسدوا عبر استغلال وظائفهم العامة، وتبعا لذلك، فإن من الأفضل أن يكون مسؤولو الدولة من أبناء القطاع العام المشهود لهم بالنزاهة، فشرط النزاهة أهم من سواه في علم الإدارة. ثمة خلط آخر وملمح انتهى إلى الضعف في الآونة الاخيرة، فالأعمال "البزنس" يجب أن تقتصر على رجال الأعمال وحسب، وما إخفاق التجربة الأخيرة في محاولة توسيع دائرة النشاط الاستثماري ليشمل مؤسسات الدولة – مدنية أم عسكرية وأمنية – إلا دليل على عدم صحة فرضية أن بالإمكان تحقيق رؤية استثمارية تشمل الجميع ويشارك بها الجميع من كل القطاعات، وها هي شركة موارد، التي أقر لها قانون خاص، تحكي لنا القصة بفشلها وخساراتها وفسادها، وتعطينا درسا في أن نترك الاستثمار لأصحابه، وأن لا يتم الزج بالجميع إلى عالم المال والأعمال، فلكل جهة تخصصها ودورها، وخلط الأوراق عاد علينا بما رأيناه.
غير أن ملمح الضعف الأكثر قسوة يتركز في غياب الرقابة شكلا ومضمونا لا سيما بمعناها الوقائي، وأين أجهزة المحاسبة، وأين مجالس النواب التي لم تتحمل دورها في الرقابة على كل من امتدت يده إلى خزينة الدولة أو تلاعب بمقدرات الأردنيين؟ وتتحمل الصحافة في هذا الجانب مسؤولية كبيرة ايضا، فالتهاون الذي أبدته مؤسسات الرقابة والبرلمانات وجد له مثيلا في السلطة الرابعة، التي غاب دورها الاستقصائي إلى حد بعيد، واكتفى بعض العاملين فيها بالبحث في معاجم اللغة عن عبارات المديح لمسؤولين انتهى بعضهم إلى السجون. الملاحظات  الآنفة تدفعنا إلى ضرورة توخي النزاهة والمعيارية الصارمة في اختيار المسؤولين، اذ إن الاختيار الذكي والفرز الجيد للمسؤول –قبل تعيينه- يعد عملا وقائيا يقلل من إمكانية حدوث الفساد أو التلاعب بحياة الناس وأموالهم، ويعزز إذا كان الاختيار صحيحا من إيجابية الإدارة والحكم الرشيد، ويجعل قمة الهرم الإداري مثالا يحتذى لمن هم دونه، وهو ما ليس متوفرا في بلادنا التي يمطرنا المسؤولون فيها بالحديث عن الحاكمية في القاعات المغلقة، بينما جلهم تعين من دون أدنى تدقيق في شرطي الكفاءة والنزاهة. 

التعليق