د.باسم الطويسي

نهاية الصوت الواحد

تم نشره في السبت 9 نيسان / أبريل 2011. 03:00 صباحاً

بات في حكم المؤكد أن التوافق داخل لجنة الحوار الوطني قد انتهى مبكرا ومن الجولة الأولى بحسم مسألة الصوت الواحد، وتخليص البلاد من هذا القيد الذي هيمن على الحياة السياسية على مدى عقدين واغتال التحول الديمقراطي في طفولته الأولى منذ مطلع التسعينيات. ماذا يعني ذلك؟ وكيف يؤسس هذا التحول لبناء حياة سياسية تذهب نحو التعافي من علل وأمراض مزمنة إذا ما ارتبط ذلك بحزمة من الإصلاحات الدستورية وتحسين بيئة عمل المؤسسات ذات الصلة بالحياة العامة؟
لا يمكن معرفة حجم المكتسبات السياسية والعامة التي يحققها التخلص من كابوس الصوت الواحد إلا في ضوء فهم التحول القادم في سياق عملية إصلاحية مدخلها الحقيقي هذا التطور المهم، وفي ضوء الوعي بحجم الخسائر والثمن الذي دفعه كل من المجتمع والدولة على حد سواء جراء تعسف هذا القانون، وما أنتجه من انحرافات نالت المجتمع والقيم والبنى السياسية فيما كانت الدولة الحلقة الأضعف التي دفعت الأثمان السياسية والاقتصادية والاجتماعية حينما أدخل هذا القانون البلاد في حالة من فقدان الوزن والأمراض المزمنة.
حينما فشل قانون الصوت الواحد في استئناف إنضاج الحياة السياسية، أصاب الدولة في صلب جوهر قوتها، أي الإضرار العميق بالكفاءة العامة للدولة. لقد تعايش الأردنيون مع خمسة مجالس نيابية أفرزها هذا النظام الانتخابي، كل واحد منها أضعف من الآخر، ما انعكس على ثلاثة أجيال من الحكومات الأردنية التي وجدت نفسها من دون حصانة تمثلها مؤسسات برلمانية وتمثيلية قادرة على حماية الولاية العامة، حتى كدنا نطرح أسئلة توصف بالكفر في ذلك الوقت: من يحكم البلاد؟ وكيف تسن القوانين وتدار شؤون العامة؟ فلقد أضعفت المؤسسات التمثيلية المتهالكة الحكومات ذاتها، وأفقدت السلطات وزنها ولونها.
حينما فشل قانون الصوت الواحد في بناء مؤسسة برلمانية معافاة تقوم بالحد الأدنى من وظيفتها الرقابية، تعايش الأردنيون عنوة مع أسوأ مراحل التستر على الفساد والفاسدين الذين استطاعوا أن يقفزوا في مرات عديدة إلى حضن الدولة على مرأى من هذه المؤسسة ومن دون أن تحرك ساكنا؛ فلا تاريخ يكاد يذكر لمجلس النواب على طول هذه المرحلة وعرضها، ولا سجل يوثق إنجازات ملموسة في مكافحة الفساد وكشفه.
ولا يقل أهمية عن ذلك كله، كيف حرم هذا النظام الانتخابي وما أفرزه من ضعف سياسي، المجتمع والدولة من حلقة مهمة في بناء قدرة الدولة على تجديد النخب وتكريس منظومات الكفاءة والجدارة كقيم يحتكم إليها المجتمع، فيما تم تنميط المجتمع ودفعه مرغما لإعادة إنتاج القيم البالية التي استعادت الأطر المرجعية الأولية، وورثت النسيج الاجتماعي والمجتمعات المحلية سلسلة من العلل لعل آخرها ظاهرة العنف المجتمعي، والعلاقة المتعثرة بين المجتمع والدولة وخسارة جانب مهم من الرأسمال الاجتماعي المتمثل في الثقة بين أطراف المجتمع وفئاته من جهة وبين المجتمع والمؤسسات من جهة أخرى.
كل هذه الخسائر لا يمكن أن تعوض بمسحة سحرية يأتي بها القانون الجديد مهما كان متقدما ويؤسس لحياة برلمانية جادة، إذا ما صاحب ذلك التزام واضح وجاد باستكمال منظومة الإصلاح السياسي. فالخراب أكبر مما قد يتصوره البعض، والعمل الجاد الحقيقي بعد قانوني الانتخاب والأحزاب والإصلاحات الدستورية المصاحبة يتمثل في إصلاح بيئة عمل المؤسسات العامة ذات الصلة بالإصلاح السياسي، ومن دون إصلاح هذه البيئة فلا جدوى، لأن أسوأ الممارسات ترتكب باسم أفضل القوانين وأكثرها تقدما.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »إيجابية الحوار من أجل الأردن (فيصل عويضه)

    السبت 9 نيسان / أبريل 2011.
    نعم بدأنا نشعر بايجابية الحوار لأنه حتما بدأ يفرز نتائج نحن بحاجة إليها ..ولكن أرجو من الله الكريم أن يهدىء كل النفوس ويرشدها الى الصواب لحوار هادء حول مائدة واحده فقط من أجل الأردن الذي ندعو أن يحميه وكل مواطنيه من كل شر ويرشد خطواته الى كل خير آمين .
  • »عنوان التعليق (sammer mousa)

    السبت 9 نيسان / أبريل 2011.
    شكرا طرح معقول وممتع
  • »عنوان التعليق (kalialmatrok@hotmail.com)

    السبت 9 نيسان / أبريل 2011.
    لقد هرمنا في انتظار نهاية الصوت الواحد ، منذ عشرين عاما ونحن نعاني من المهزلة السياسية التي عاشتها البلاد وكمايقول الكاتب فقد دفعنا ثمن هذا القانون ليس فقط في تراجع السياسة الديمقراطية بل في الاقتصاد وانتشار الفساد والمشاكل الاجتماعية