الاستبداد يفتح أبواب الثورة

تم نشره في الجمعة 8 نيسان / أبريل 2011. 02:00 صباحاً

معجزة المقاومة، أنها تتخلق في متاحات لا حدود لها، وتنعتق وسط مناخات القمع والكبت والتكميم والقهر، ردا على أشكال الاستبداد، وفتحا لكوى الحرية. وحتى لو كان تخلّقها محدودا، وضمن نطاقاتٍ مساحاتها الضيقة، فإنها تصوغ تراكمها بقوة الخطوة خطوة، وصبر الجِمال.
في هذا المعنى، فإن ثمرة الصبر والدأب الذي خطت عليه الشعوب العربية، بدأت تؤتي أكلها، وتعيد ترتيب حاجتها للحرية، لتضعها الشعوب على رأس أولوياتها، ساعدتها في ذلك حالة الاستهانة المرة للأنظمة الفاسدة التي لم تترك مساحة هواء ضئيلة للشعوب إلا وخنقتها، وزجتها في السجن، أو ألّفت لها قانونا يحرمها من الطلاقة.
ما تشهده ساحات المدن العربية من حراك يتوجه نحو استعادة دور الشعب، ووقف هدر مقدرات الدولة، واسترجاع الحرية المسلوبة من الناس، يحمل في تضاعيفه قوة زلزال لا قياس له، لأن هذا الحراك لن يبقى راكدا في فضاء الساحات، ولن يستمر في الجلوس تحت شعارات مشحونة بطاقة الزعيم الهندي غاندي على نيل الاستقلال بدأب سلمي.
صحيح أن نبل الغاندية، يُرقِّي الروح ويبعث على الامتثال لبطولته الخارقة، لكن سنوات القمع الشديد والمنع المر للحريات والحياة بأشكالها المحترمة في المنطقة العربية، وتبعية أنظمتنا للغرب، حرم شعوبها من أن تتسور بقوتها الحضارية، لتكون ندا لشعوب مماثلة لها، وحرمها من قرارها المستقل، ما فاقم الإحساس بالقهر والغبن والدونية.
والمعنى هنا، أن شكل المقاومة الذي تجلى في تونس بمظهره شبه السلمي، وحافظ على ذلك في مصر، وجد نفسه مبعثرا في ليبيا بقوة السلاح والرد على القمع بمثل ما يردُ هو، في وقت أظهر فيه اليمنيون ضبط نفس فريدا، في مواجهة آلة قتل فجة يستخدمها نظام، يدرك أن كل بيت يمني لديه قطعة سلاح على الأقل، وأن اليمنيين يمكنهم بذلك إشعال حرب لا هوادة فيها لمواجهة نظام يتساقط. 
لكن هذا المشهد غير المتناسق في حركته الاحتجاجية على النظام السياسي العربي، لن يبقى مسكونا بانعدام التناسق. ثمة فوضى ترتبه، وترده إلى عناصره: الإحساس بالظلم، ثم ترتيب الاحتجاج عليه، ثم إعلانه، ثم الاحتجاج نفسه، ثم الوصول إلى الهدف، ولكن طريق الوصول للهدف في كل ثورة، ستبدو مختلفة الأشكال.
هنا، وفي هذه النقطة المتوترة تماما، تبدو الوثبات الاحتجاجية في العراق والمغرب مأخوذة بالدأب وصبر الجمال، وعلى النقيض منها، في سورية، ليس لأنها كانت معدة للتقدم بخطى أكبر من غيرها، نحو مناهضة قانون الطوارئ وعمليات الاعتقال السياسي اليومية، وتحكّم النظام بكل صغيرة وكبيرة في كيان الدولة، بل لأن النظام هناك، كان هو من سرّع في إطلاق كل مكبوت الثورة عند السوريين، بإطلاقه الرصاص على من بدؤوا الاحتجاج.
وهذا الفعل، يرتد تماما إلى شكل الرد الذي ارتكبه نظام القذافي في ليبيا، لكن هل سيكون شكل ما يحدث في سورية ليبياً؟ لا.. لأن مساحة حركة النظام في سورية ستضيق، مع تفشي الثورة في كل سورية.

التعليق