مواقف مثيرة للشكوك حول الأهداف الحقيقية لعمليات "الناتو" في ليبيا

تم نشره في الجمعة 8 نيسان / أبريل 2011. 03:00 صباحاً



يذكرني سير العمليات العسكرية لقوات التحالف الغربي (حلف الناتو) في ليبيا، بما عشته وشاهدته في العراق خلال تغطيتي الصحافية لحرب تدمير العراق ثم احتلاله العام 2003. ففي تلك الحرب، تأكد لي أن الولايات المتحدة كانت قادرة على الإطاحة بالرئيس العراقي السابق صدام حسين وقتله بانقلاب عسكري من دون الحاجة إلى هذه الحرب التي خاضتها ومعها حلفاؤها الغربيون (بريطانيا بشكل خاص)، والتي شاهدت خلالها كيف كان الهدف الأساسي للعمليات العسكرية الأميركية هو تدمير العراق وقواته العسكرية بشكل خاص. وشاهدت في منطقة الناصرية بأم عيني كيف قامت الطائرات الأميركية بتدمير أهم وأقوى فرقة للجيش العراقي (الفرقة أربعين) التي كانت تنسحب منهزمة من قاعدة الإمام علي بالناصرية وعلى غير هدى، وتقوم الطائرات الأميركية بقصف جنود وضباط هذه الفرقة الذين فروا من القاعدة، حتى إني عندما أبلغت وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل عن المجزرة التي شاهدتها في الناصرية قال لي "لقد نصحناهم (الاميركيون) حين تأكدنا أنهم سيخوضون حربهم ضد العراق بأن يحافظوا على الجيش العراقي وقدراته لأنه من دون هذا الجيش سيعيش العراق حالة انفلات أمني تنشر الفوضى والدمار، ويبدو أنهم لم يستمعوا إلى نصائحنا".
في العراق، استطاعت الأجهزة الاستخباراتية الأميركية والبريطانية أن تجد لها عملاء كانوا قادرين على تدبير انقلاب ضد صدام حسين أو اغتياله على الأقل مثل رئيس قوات الحرس الجمهوري قريب صدام حسين الفريق ماهر التكريتي، الذي أمر قوات الحرس الجمهوري بالانسحاب والفرار أمام القوات الأميركية التي كانت تتقدم باتجاه بغداد، ومثل وزير الخارجية العراقي في تلك الأيام ناجي صبري الحديثي الذي هربه الأميركيون إلى قطر ثم إلى النمسا، وجندت ضباطا كبارا في الاستخبارات العسكرية العراقية. وما شهده العراق من أحداث بعد الاحتلال الأميركي له يؤكد أن الهدف الأميركي الأساسي من تلك الحرب والاحتلال هو تدمير العراق وتدمير قدراته وقدرات شعبه، وليس الإطاحة بصدام حسين.
وسير العمليات العسكرية لقوات التحالف الغربي (حلف الناتو) -التي جعلت الثوار الليبيين يشتكون وينتقدون ما يجري واصفين إياه بأنه "مخيب للآمال"- يجعلنا نثير الشكوك حول ما إذا كانت دول التحالف الغربي تريد فعلا حماية الشعب الليبي من القتل الدموي الذي ينفذه ديكتاتور ليبيا معمر القذافي وأولاده، أم تريد تدمير ليبيا ومقدراتها قبل إسقاط النظام القمعي الذي يتحمل المسؤولية الأولى عن دمار ليبيا وإراقة دماء شعبها؟
الذي يجعلنا نطرح هذا التساؤل (الاتهامي) ما نراه من تطورات الأحداث والمعارك في ليبيا، حيث نرى أنه كلما كانت قوات الثورة الليبية تتقدم شرقا وتدحر قوات كتائب القذافي وتطردها، نجد توقفا للعمليات الجوية لقوات التحالف، ما يتيح الفرصة لقوات القذافي للقيام بهجمات مضادة تستعيد فيها ما فقدته من مدن. بالإضافة إلى ذلك، نلاحظ أن طائرات التحالف الغربي تترك لنظام القذافي حرية الحصول على الأسلحة والمرتزقة التي تصل للنظام عبر الصحراء الليبية في الجنوب ومن تشاد ومالي بالذات، من دون أن تفرض رقابة ومنعا على شحنات الأسلحة والمرتزقة الذين يجندهم عملاء القذافي في الخارج. بالإضافة إلى ذلك، بعد الأسبوع الأول من العمليات العسكرية لقوات التحالف -حين كانت فرنسا تقود هذه العمليات- استطاع الثوار أن يحرروا مدينة مصراتة من بقايا قوات القذافي التي كانت تقنص وتقصف المدنيين، بعد أن قامت طائرات التحالف الغربي بضرب خطوط الإمدادات العسكرية لهذه القوات.
ولكن توقف الضربات الجوية جعل قوات القذافي تستعيد خطوط إمداداتها وتعزز تسليحها حول مصراتة التي ماتزال محاصرة وتتعرض يوميا للقصف التدميري، وطائرات التحالف تراقب الحصار والقصف من دون أن تتدخل، وكل ما تفعله دول التحالف إرسال سفن لنقل مساعدات إنسانية وإجلاء الجرحى. وربما يقول البعض إن ضمن هذه المساعدات قد تكون هناك مساعدات عسكرية، ولكن أجزم أن ما يريده أهل مصراتة هو فك حصار القذافي عن مدينتهم قبل الحصول على المساعدات العسكرية والإنسانية، لذلك لاحظنا أن سكان مصراتة رفضوا استقبال آخر سفينة مساعدات تركية احتجاجا على الموقف التركي الذي يمكن وصفه بأنه متملق لنظام الرئيس القذافي. والليبيون يعتقدون أن لتركيا -ومعها ألمانيا- دورا في تخفيف الضغط العسكري لحلف شمال الأطلسي على القوات القذافية.
ولا شك أن الموقف التركي هذا سيسيء إلى موقف تركيا في العالم العربي، ويطيح بالشعبية التي حققها رئيس وزرائها الطيب أردوغان وحققتها تركيا في عهد حكومة العدالة والتنمية، خلال الحرب الإسرائيلية الإجرامية على غزة وبعد ما حصل لسفن قافلة الحرية التي ذهبت لتفك الحصار عن غزة فتعرضت لهجوم جيش العدو الإسرائيلي.
وهذا الموقف التركي -وإن أخذ يبدو متذبذبا هذه الأيام- سيجعل الشعوب العربية ترى أن حكومة أنقرة تعطي الأولوية لمصالحها الاقتصادية مع النظام الليبي.
بالإضافة إلى هذا أيضا نجد أن قوات التحالف الغربي تتردد في تقديم السلاح والمساعدات العسكرية لقوات الثوار، رغم أن بعض الدول العربية استعدت لدفع ثمن أي أسلحة تقدم لقوات الجيش الوطني الليبي الذي بدأ يتولى القيادة العسكرية للمجلس الوطني الانتقالي وقيادة قوات الثورة. وتتردد معلومات أن دولا خليجية تتولى حاليا تمويل شراء مساعدات عسكرية لهذه القوات، في حين تتولى اسرائيل بيع الأسلحة للنظام القذافي الذي قال "طز في العرب وجامعتهم".
وما يزيد من الشكوك حول الأهداف التي تريدها قوات التحالف الغربي من تدخلها العسكري في ليبيا، قيام الولايات المتحدة بسحب طائراتها ووقف هجماتها الصارخية ضمن المشاركة في عمليات حلف "الناتو" العسكرية في ليبيا (وان كانت واشنطن أعلنت أنها مستعدة لإعادتها حين يكون هناك حاجة لها). وأعتقد أن هذا يؤكد أن للولايات المتحدة حساباتها ومصالحها الخاصة التي تريد تحقيقها من التدخل لـ"إسقاط القذافي".
لا شك أنه من الضروري إسقاط نظام "ملك ملوك إفريقيا وأسد أسود قبائلها!" مهما كان الثمن. ولكن من المهم محاسبة قوات التحالف الغربي على هذا التواطؤ الذي يجري، والذي يجعلنا نكرر شكوكنا حول ما إذا كان الغرب يريد حماية الشعب الليبي ومساعدته على إسقاط ديكتاتوره وعصابته، أم يريد تدمير مقدرات ليبيا أولا ومن ثم إسقاط القذافي، من أجل أن يستفيد الغربيون من مشاريع إعادة إعمار ليبيا وإعادة بناء قدراتها العسكرية وما ستحمله هذه المشاريع من عقود بعشرات البلايين من الدولارات ستفوز بها الشركات الغربية؟

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »أهداف الناتو (محمد)

    السبت 25 كانون الثاني / يناير 2014.
    بعد قراءتي لهذا التعليق الذي كان صاحبه وهو يعلق وكأنه خائف من تجسس الناتو عليه أقول لك أخي تأسس هذا الحلف من خلال التجربة التي قادتها تركيا في عصر الفتوحات من هنا جاءت فكرة هته الدول لتأسيس حلف الناتو ولكن بمنهج ونموذج أقوى من الدولة العثمانية
  • »ياحيف على ليبيا (عمر الدندشي)

    الجمعة 8 نيسان / أبريل 2011.
    ياحيف على ليبيا اللي دمرها حاكمها وعصابة ابناؤه السبعه
    ماحدا لحدا لاحلف ناتو ولااميركا كلهم بدهم يدمروا العرب