منار الرشواني

غولدستون وإنقاذ ما لا يمكن إنقاذه!

تم نشره في الأربعاء 6 نيسان / أبريل 2011. 02:00 صباحاً

حين يتعلق الأمر بقاض بحجم ريتشارد غولدستون، فلا بد أن تكون هناك أسباب لا يرتقي إليها الشك، من الناحيتين القانونية والأخلاقية، وراء قراره التراجع عن ذاك الجزء من تقريره المتعلق بإدانة إسرائيل بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خلال حربها على غزة نهاية العام 2008 وبداية العام 2009. إذ يدرك المدعي العام الرئيس في كل من المحكمة الدولية المكلفة بالتحقيق في جرائم الحرب في يوغسلافيا السابقة، ومثيلتها في رواندا، وقبلهما كان قاضياً سابقاً في المحكمة الدستورية بجنوب إفريقيا، يدرك أن تراجعه عما ورد في تقريره، الذي ملأ الدنيا وشغل الناس في العالم أجمع، يتعلق أساساً بسمعته (بما فيها نزاهته) التي حددت بدورها إيجاباً الموقف من التقرير يوم صدوره في العام 2009، وستحدد اليوم مدى قبول تراجعه أو اعتباره خيانة للأمانة والنزاهة جبناً يدنسان كل تاريخه الذي يفترض أنه حافل بالدفاع عن حقوق الإنسان، والتأكيد على صونها في الحرب والسلم.
يستند أهم أسباب تراجع غولدستون الواردة في مقاله الاعتذاري المنشور بصحيفة "واشنطن بوست" يوم الجمعة الماضي، إلى تقرير صادر عن لجنة لاحقة تابعة للأمم المتحدة، تم تشكيلها من خبراء مستقلين للتحقيق في حرب غزة. إذ انتهت اللجنة إلى أن إسرائيل قامت فعلاً بالتحقيق بما يزيد على 400 ادعاء بشأن "سوء تصرف" من قبل الجيش الإسرائيلي في غزة خلال الحرب، فيما لم تقم حركة حماس بأي تحقيق بشأن إطلاق الصواريخ والقذائف على إسرائيل.
هكذا إذن، ولأن المسألة باتت ترتبط فقط بإجراء تحقيق من قبل حركة حماس بشأن الاتهامات الواردة في تقرير غولدستون، ألا يصبح حتمياً الاستنتاج بأن غولدستون يمنح إسرائيل –وبأثر رجعي- الحق في ارتكاب ما ارتكبته (والذي لم يعد جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية) بحق كل المدنيين الفلسطينيين في غزة انتقاماً من حركة حماس المسؤولة وحدها عن إطلاق الصواريخ؟ هذا الاستنتاج يؤكده غولدستون ذاته حين يقر، مع لجنة التحقيق المستقلة التي يستند إليها، بأن عدداً ضئيلاً من التحقيقات الإسرائيلية قد تم إنجازه مع الجنود المتهمين بـ"سوء التصرف!"، ناهيك عن عدم معرفة القرارات التي صدرت. بعبارة أخرى، تنتفي قيمة الضحية وإنسانيتها بتباكي الجلاد وذرفه دموع التماسيح. 
مع ذلك، يظل الاستنتاج السابق قابلاً للمناقشة بالنظر إلى السبب الثاني الذي يورده غولدستون لصحوة ضميره. إذ استناداً إلى تقرير لجنة تحقيق الأمم المتحدة المستقلة ذاتها، فإن كل الفظائع الإسرائيلية في حرب غزة لم تكن سوى تجاوزات فردية من الجنود "ولم يتم اعتماد سياسة رسمية تستهدف المدنيين". وحتى فيما يتعلق بمقتل 29 فرداً من عائلة السموني في منزلهم، وهو أقوى أدلة تقرير غولدستون الأصلي ضد إسرائيل، فإن المجزرة كانت –كما يعرف غولدستون اليوم- نتيجة "تفسير خاطئ للصور التي أرسلتها طائرة من دون طيار". كل ذلك بخلاف حماس التي تطلق صواريخها من دون تمييز، بل وحتى بنيّة استهداف المدنيين.
لكن إذا كانت إسرائيل التي تمتلك أعقد تكنولوجيا السلاح في العالم، براً وبحراً وجواً، لم تتمكن "على حسن نواياها" من منع إزهاق أرواح آلاف المدنيين الفلسطينيين خطأ، فهل يتوقع مثل هذا الأمر من حركة تستخدم صواريخ محلية الصنع؟ وإذا كانت المسألة هنا تتعلق بالنوايا المعلنة بغض النظر عن المجازر على الأرض، أفلا تكون النتيجة الحتمية الثانية لاعتذار غولدستون عن تقريره أن خطيئة حماس الوحيدة هي أنها لم تعمل على تعزيز قدراتها التسلحية من خلال توفير صواريخ دقيقة التصويب؟
بغض النظر عما تضمنه اعتذار غولدستون للإسرائيليين من تحايل وخداع، وبغض النظر عن دوافعه، فإن الحقيقة تظل أن العالم لم يكن ينتظر تقريره في العام 2009 ليدين إسرائيل على ما ارتكبته في غزة وماتزال، وهو لن يتغير بتراجع غولدستون اليوم، الأمر الذي يعرفه قادة إسرائيل قبل غيرهم. ولعل النتيجة الختامية لصحوة ضمير غولدستون الصهيوني هي تضحيته بنزاهته وسمعته وتاريخه في محاولة إنقاذ ما لا يمكن إنقاذه، أي إسرائيل المعتدية الخارجة على كل شرائع القانون الدولي والأخلاق، حتى لدى جزء غير يسير من يهود أوروبا، بل وأميركا.

التعليق