دروس من الإصلاح المصري

تم نشره في السبت 26 آذار / مارس 2011. 02:00 صباحاً

إمكانية أن يتحول الإصلاح الإقليمي إلى فوضى إقليمية واردة، ونرى إرهاصات لذلك بين الحين والآخر، أحيانا بسبب رغبة الإصلاحيين قطع المشوار الإصلاحي بسرعة ودفعة واحدة، وفي أحيان أخرى بسبب الإصرار على مطالب إصلاحية تحمل في بذورها الفتنة واللااستقرار.

النموذج المصري يجب أن يدرس ويحتذى، فقد رأينا كيف أن انتفاضة الإصلاح تجنبت إقحام مواضيع جدلية في بداياتها، وكيف أن الإخوان المسلمين تقدموا بخطوات مدروسة هدفت إلى عدم إخافة من حولهم منهم، بما في ذلك القوى الإصلاحية المصرية الأخرى، بل إنهم، وفي ظل احتدام حركات الاحتجاج وتفوقها، التزموا بخطاب سياسي إصلاحي مريح للداخل المصري والخارج الدولي، مؤكدين على احترامهم لحقوق الأقليات، وأن تطبيق الشريعة الإسلامية لن يعني أن مصر ستكرر النموذج الإيراني في الحكم، أو أنها ستنقلب على كل معادلات الإقليم السياسية.

الاستفتاء على الدستور في مصر حمل دروسا إضافية في عقلانية إخوان مصر السياسية والإصلاحية، وبدت قوى الإصلاح العلمانية الأخرى هي التي تصنف على أنها "ثورجية" ورعناء، وتريد تبني خطوات إصلاحية ستهدد لا محالة الاستقرار المصري وهدوءه الاجتماعي.

إخوان مصر صوتوا بـ"نعم" للاستفتاء على الدستور، وسيخوضون الانتخابات المتوقعة القادمة، التي ستنتج مجالس تشريعية ستعمل بدورها على إدخال مزيد من الإصلاحات التشريعية والدستورية، في حين أن قوى إصلاحية اخرى لم تقتنع بالإصلاحات الدستورية، مطالبة بدستور علماني متقدم لا يحدد دينا للدولة، مؤكدين أن الإصلاحات المستفتى عليها لا تكفي، وأنهم ربما لا يريدون مجلس شورى، فكيف سيخوضون انتخاباته فيما هم لا يرون ضرورة لوجوده! الفرق واضح في عقلانية وتدرجية الإصلاح في ذهنية الإخوان بالمقارنة مع غيرهم الذين يريدون إصلاحا عبثيا ومتسرعا، وليس بأدل على ذلك من موقف الإخوان من الأقليات والاستفتاء على الدستور الذي يعد ناضجا ومتقدما، في حين أن موقف العلمانيين من مسألة دين الدولة تقسيمي وغير بناء ومهدد للاستقرار. بالمقابل، فمن المهم التأكيد أن الإقدامية الإصلاحية من قبل المجلس العسكري في مصر كانت عاملا حاسما في احتواء الإخوان والعديد من مطالب الإصلاح، رغم انها لم تستطع احتواء الجميع، وقد قوبل ذلك برزانة وحنكة سياسية إخوانية تستحق التقدير. الإقدامية والسرعة "ثيمة" سياسية مهمة في هذه المرحلة، وقد رأينا السرعة التي تم بها تعديل الدستور المصري وإقرار ذلك في زمن قياسي، وهو أمر أحرج كل محاولات المماطلة والتسويف التي تعتمدها دول أخرى للالتفاف على الإصلاح واحتوائه.

لا ندري ما إذا كانت عقلانية إخوان مصر تندرج تحت عنوان "التمسكن لغايات التمكن"، ونعتقد أن الله عز وجل هو القادر على معرفة ذلك، ولكن للآن تبدو حركة الإخوان المسلمين في مصر متزنة إصلاحيا، وربما متأثرة بتجربة حماس الديمقراطية المريرة التي ألبتنا جميعا ضد الإصلاح والديمقراطية، وجعلت مقولة "ديمقراطية المرة الواحدة" حقيقة واقعة. الحكومات العربية معنية بالإصلاح السريع والمدروس، والمجتمعات العربية وقواها السياسية معنية بالاتزان في التعامل مع ذلك، وأن تنتبه أن لا تؤدي سلوكياتها إلى خلق بيئة حاضنة للفوضى، فذلك سينهي الإصلاح ويقوضه ويؤخر الديمقراطية لعقود طويلة.

[email protected]

التعليق