قهوة فرنسية باردة في ليبيا

تم نشره في الاثنين 21 آذار / مارس 2011. 02:00 صباحاً

تحتمل قرارات مجلس الأمن الدولي، عادة، الشك في نواياها الحقيقية، وما قد يشوب هذه القرارات من تبعات ليست أقل وطأة من تبعات زلزال ضخم على دول لا يمكن أن تخرج بعد اهتزازات الجبال من حولها إلا وقد أنهكت تماماً، وخارت كل قواها وهي تلهث لتلملم قصاصات قرارات مجلس الأمن من جديد لتعيد قراءتها في خطوة لتحسين آلية فهمها.

ما جرى نهاية الأسبوع الماضي في جلسة مجلس الأمن بخصوص ليبيا، وفرض حظر جوي عليها بسبب ما تقوم به قوات معمر القذافي من أعمال إجرامية بحق الشعب الليبي الثائر، لا يؤخذ، ضمن سياق الفهم التاريخي، على محمل الوداعة، خاصة أن فرنسا التي كانت الأقرب إلى القذافي قادت حملة واسعة في مجلس الأمن لحشد تأييد دولي لفرض الحظر الجوي. وظهر من خلال طريقة التعاطي مع التحضيرات لإصدار القرار أن ثمة تباطؤاً في إصداره لحين دخول قوات القذافي إلى محور الهجوم بالقرب من "بنغازي"، وهو ما يشير إلى نية توريط النظام الليبي في سيناريو لن يقدر على الخروج منه قريباً، ولكن لم ينظر في الأمر برمته إلى مصلحة الشعب الليبي، أو دعم الثوار، وهو ما قادنا للتفكير ملياً في مغزى توقيت ومحتوى القرار الأممي.

ويدعم نظرية استطلاع حقيقة معاني القرار بفرض الحظر الجوي على ليبيا تلك الأحداث التي سجلت سباقاً بارداً بين الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا في كسب الرأي العام الدولي حول من المبادر، ومن الأحق في اتخاذ الخطوة الأولى. فرنسا سعت إلى إظهار المبادرة، و"هددت" باستخدام قواتها الجوية في ضرب قوات القذافي التي تواصل دك بنغازي ومصراتة بالقذائف الثقيلة، وقتل العشرات حتى الساعة، في حين "لوحت" واشنطن بالتحرك السريع لإثناء القذافي عن التقدم باتجاه بنغازي وارتكاب المزيد من الجرائم الإنسانية... لكن لا شيء من هذا قد حدث.

المريب في الأمر أن الحديث حول انفراد أميركا في العراق مطلع التسعينات، سواء بإصدار قرارات العقوبات التي أدت إلى إهلاك النظام، أو بالاحتلال والسيطرة على النفط والمحيط الاستراتيجي للمنطقة، غدا مثالاً حيوياً لفرنسا التي قادت ماراثونها الأممي للحصول على سبق الوصول إلى ليبيا، وهو ما يؤكد أن في الأجواء مخططاً تجاه التدخل الفرنسي في هذا البلد النفطي لأطماع كبيرة، ربما تنقذ باريس من ورطة الأزمة المالية العالمية التي أغرقت مرافقها الاقتصادية.

على الجانب الآخر يبرز الحديث عن مدى ثقة الثوار الليبيين بنكهة القهوة الفرنسية التي ستقدم لهم عاجلاً أم آجلاً، وبدعم أممي وسط صمت عربي معتاد، وهل ستكون قهوة الفرنسيين ضمن المزاج الليبي الثائر؟ السؤال لا يمكن الإجابة عنه اليوم، لأنه مرتبط بتحليل أحداث الأيام القادمة، ولكن الأهم في هذه المسألة أن درس العراق لم يزل في الخاطر، وأن الثائر الليبي الذي رفع علم فرنسا في ساحات "بنغازي" وأطلق الألعاب النارية في سمائها احتفاءً بقرار فرض الحظر الجوي، لديه الفرصة الأكيدة لتغيير موقفه فور شعوره بأن نيكولا ساركوزي لا يختلف كثيراً عن معمر القذافي، وأن بلده سيكرر المسلسل العراقي الطويل مع الاحتلال الأميركي، ومن يعرف الليبيين يعلم جيداً أنهم لن يقبلوا القهوة الباردة التي تخطط فرنسا لتقديمها قريباً لهم.

الرئيس الفرنسي ساركوزي لن يبتعد كثيراً، إذا أتيحت له الفرصة، عن التفكير على طريقة أسلافه "هنري الرابع"، و"لويس الرابع عشر"، و"نابليون" ذاتها، في السيطرة والبقاء في ليبيا حتى آخر قطرة نفط، ولمن يظن في قرار الأمم المتحدة براءة فليجمع قصاصات القرارات السابقة بشأن العراق، وليستعد سيناريو الحالة آنذاك.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »رؤية تستحق القراءة (vone)

    الاثنين 21 آذار / مارس 2011.
    لدى فرنسا طموح كبير في تنشيط سيطرتها على العالم العربي وخاصة الدول النفطية التي لا يمكن أن تترك فرصة لاحتلالها دون ان تستغلها بالصورة الممتازة وهذا ما جرى في ليبيا حيث اتيحت الفرصة للفرنسيين لعمل ذلك.
  • »we are physically weak .. no problem my dear . . thanks/msooo (msooo)

    الاثنين 21 آذار / مارس 2011.
    / we are physically weak .. no problem my dear . . thanks/msooo
    :::===>>>

    ولمن يظن في قرار الأمم المتحدة براءة فليجمع قصاصات القرارات السابقة بشأن العراق، وليستعد سيناريو الحالة آنذاك.
    / they hide the book by their way , we hide it by ours'.. this was the case during saddam's era .. they are not hiding the
    book / they are the stronger ..ok .. we also do not hide the book .. / we are physically weak .. no problem my dear . . thanks/msooo
  • »وعي الشارع العربي (فداء طه)

    الاثنين 21 آذار / مارس 2011.
    نعم فراس، من المؤكد ومما حصل على أرض الواقع فثمة أطماع غربية، فرنسية على وجه التحديد، في ليبيا، لكن الثائر والمواطن الليبي، يدرك جيدا هذه الأطماع، وهنالك وعي كبير لدى الشارع العربي تجاه مخاطر التدخل الأجنبي فيما يحصل من أحداث، نتمنى أن يحسم الثوار الليبيون معركتهم عاجلا وأن يقطعوا الطريق على أي مخطط أجنبي يستهدف ثروة البلاد.
    وشكرا لك على الطرح الجميل.
  • »مطامع في ليبيا (غيداء الطباع)

    الاثنين 21 آذار / مارس 2011.
    أعتقد أن الفرنسيين لهم مطامع في ليبيا وهم في ازمة مالية كبيرة ويمكن ان يستفيدوا من الوضع القائم في ليبيا حاليا للسيطرة على النفط.

    من قال ان مجلس الأمن يتخذ قرارا لصالح العرب دون النظر إلى مصلحة غربية؟