من الثقافة إلى التسلية

تم نشره في الاثنين 14 آذار / مارس 2011. 02:00 صباحاً

عبارة تلخص التحولات الكبرى في الحياة. فقد أصبحت السياحة تمثل جزءا كبيرا وأساسيا من حياة الناس بعدما كانت عملا نخبويا محدودا بعيدا عن التجارة والاستثمار، فهي اليوم من أهم مجالات الصناعة والتجارة، وتكاد تعتمد عليها بعض الدول كليا. يقول نيل غابلر: مع أواخر القرن العشرين، لم يعد العنصر التجاري الأهم للأميركيين هو التجارة، بل أصبح التسلية. ويلاحظ أن ما ينفق على التسلية يتجاوز ما ينفق على التعليم بكل مراحله في القطاع العام والقطاع الخاص. وهذا الصعود الأسطوري لاقتصاد التسلية (مثل السياحة والسينما والفيديو، والرياضة ومشاهدة المباريات..) يراه جيرمي ريفكين أوضح مثال لطبيعة وحجم الانتقال من تكديس الحاجات إلى مراكمة التجارب، ومن التملك إلى علاقات الوصول.

وبالطبع، فإن التحولات هذه تعني نشوء طبقات جديدة واختفاء أخرى. ومن أهم الطبقات الجديدة من يمكن تسميتهم "الوسطاء الثقافيين"، وهم الفنانون والمفكرون وعباقرة الإعلان والاتصالات القادرون على ملاحظة أساليب الحياة والأفكار الجديدة وتحويلها إلى سلع، أو هم كما يصفهم مايك فيذرستون "صانعو الذوق الجدد، وهم يبحثون دوما عن السلع والتجارب الثقافية، ومنشغلون أيضا في إنتاج أدلة وأصول تدريس شعبية للعيش وأسلوب الحياة". ويمكن بسهولة ملاحظة عدد كبير من السلع الرائجة التي تعبر عن اتجاهات ونزعات ثقافية وروحية، مثل قمصان نسائية ضيقة راجت في لوس انجلوس تسمى "هازمة الزوجات"! أو استخدام شعارات ورموز دينية في سلع تجارية.

وبتضاعف تجارة السلع الثقافية، تنتشر أيضا ثقافة عالمية متجانسة، وهو أمر يدعو إلى القلق، ذلك أنه يعني غياب التنوع الثقافي، وانحسار أو انقراض ثقافات ولغات. يقول وايد ديفيس في مقالة نشرتها مجلة ناشونال جيوغرافيك: "مع اندثار كل لغة، يصبح العالم محلا يلازمه نقص أصالته، ولكننا أيضا نضحي بمعرفة صرفة، وهي إنجاز فكري لآلاف السنين".

ويلاحظ عالم النفس روبرت ليفتون الأجيال الجديدة التي نشأت في المرحلة الجديدة، فهم معتادون على الوصول السريع إلى المعلومات واسترجاعها، ولديهم فترات انتباه قصيرة، هم أقل تأملا وأكثر تلقائية، ويرون أنفسهم لاعبين وليس عاملين، ويفضلون أن يراهم الآخرون مبدعين وليس كادحين، أقل قدرة على الكتابة ولكنهم أكثر قدرة على معالجة البيانات الإلكترونية، يفكرون في العالم الافتراضي كما لو أنه حقيقي، ويعتبرون مجتمع التسوق هو الساحة العامة، ويوازون بين سيادة المستهلكين والديمقراطية، يرون العالم كخشبة مسرح، ويرون حياتهم كسلسلة من العروض، أقل اهتماما بالتاريخ، ويعشقون الابتكار، وتكاد العادات والتقاليد والأعراف تكون مختفية من حياتهم.

ويصف تقرير الثقافة العالمي للعام 1998 الذي تصدره منظمة اليونسكو التوتر بين الثقافة والتجارة بالقول: "يبدو أن القيم الثقافية التي تتميز وتربط المجتمعات المحلية والإقليمية والقومية تتعرض لخطر الانغمار في السوق التجارية العالمية. وفي هذه الظروف نختار أسئلة حول كيفية تحمّل المجتمعات لواقع العولمة عليها بحيث لا تتعرض الثقافات المحلية أو القومية والإبداعية التي تدعمهما لخطر التلف بدل أن تصان وتعزز".

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »التسللية ثقافة ..وتحتاج الى دراسات جامعية وبتفوق (د. عبدالله عقروق / فلوريدا)

    الاثنين 14 آذار / مارس 2011.
    انا لا ادري لماذا الاستاذ ابراهيم استثنى المدارس والكليات والمعاهد والجامعات من تعليم ونقل الثقافة الى المجتمعات الحضارية. أن مدارس الدول غير النامية بطلابها وطالباتها يتعلمون اللغة العربية ، ولغة أجنبية ، وأن اللغة ألأجنبية جزء من امتحان التوجيهي، وهذا ليس خيارا بلا فرضا على نظام التعليم ..ان التعليم في المجتمعات فرض على كافة المواطنين. فالظاهرة التي يتكلم عنها الأستاذ ابراهيم هي ظاهرة بسيطة جدا ، ربما الأعلام وألأعلاميون يضخمون حجمها .فالثقافات التي يقدم عليها المواطنون هي ثقافات يستمدها من مدارسه، ومن أهله، ومن المجتمع. وهي تشكل القاعدة الأساسية .أما اذا اراد البعض الأنخراط بثقافات لا يقرها المجتمع فهذا يعود لعامل الفراغ الذي يملء حياة المواطنين ،. أو انه يريدون أن يظهروا في مظهر غريب لتغطية كل العجز فيهم، ولتغطية عقدهم، وتغطي جهلهم فيتمردون على الجميع، والأنفصال عن مجتمعاتهم