محمد أبو رمان

نرجو الانتباه!

تم نشره في السبت 12 آذار / مارس 2011. 02:00 صباحاً

بالقدر نفسه من ضروة تدشين خط للإصلاح السياسي السريع، يعرّف الحقوق السياسية للمواطنين، ثمة ضرورة وطنية لا تقل أهمية واستعجالاً في إعادة تعريف برنامج الإصلاح الاقتصادي، وتحديد صيغة العلاقة مع الدولة وأولويات المواطنين الاقتصادية والتنموية.

أهمية المطالب الاقتصادية برزت، بوضوح، أيضاً خلال المسيرات والبيانات والاعتصامات، وتباينت بحسب الجهة التي تتبناها وأجندتها السياسية، لكن الجميع متفقون على عنوان "العدالة الاجتماعية"، مع اختلاف تعريف هذا المفهوم وتحديد السياسات الاقتصادية التي تنهض به. أهمية المطالب الاقتصادية تقع في صلب مشروع تجديد النظام السياسي وبناء التوازن الاجتماعي الذي يعيد تأهيل شريحة واسعة من المجتمع، لم تستطع التكيف مع التحولات الاقتصادية، ذلك أنّ البرنامج الاقتصادي لم يراعِ في مسارعته إلى الاندماج في الاقتصاد العالمي "تمكين المواطنين" من الشروط والمدخلات التي يستطيعون من خلالها الانتقال إلى مرحلة جديدة تكون هي بحد ذاتها كفيلة بإعادة تعريف علاقتهم بالدولة على قاعدة المواطنة ودولة القانون وتكافؤ الفرص، وليس المنطق الأبوي أو الرعوي.

عند الحديث، مثلاً، عن "تكافؤ الفرص"، وهو مبدأ بديهي في دولة المواطنة والقانون، فإنّ الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية الحالية تعيق ذلك، إذ إنّ تكافؤ الفرص يستدعي "بنية تحتية" تمكّن الجميع من القدرة على التنافسية، ومن ثم الاختيار على قاعدة الأكفأ والأجدر بعيداً عن الوصاية الأمنية والسياسية، كما يحصل حالياً.

البنية التحتية (المقصودة هنا) تتمثل بدرجة رئيسة بفجوتي التعليم والتنمية، بخاصة مع تركّز الثروة والازدهار الاقتصادي في عمان الغربية وانهيار قيم التعليم الحكومي مع الخصخصة، ما جعل مخرجاته دون متطلبات السوق بكثير.

الدولة بدلاً من التنبه لهذا الخلل الكبير، الذي بدأنا لاحقاً ندفع أول كلفه، تعاملت بمنطق عشوائي مخجل مع هذا التحدي الوطني، بل لم تضع إطاراً لهذه المشكلة، فضلاً عن استراتيجية كبرى لإنقاذ التعليم العام، ومنحه أولوية في الإنفاق الوطني، لإزالة هذه الفجوة. بدلاً من معالجة الخلل، أصبحنا نتعامل مع النتائج باختلالات أخطر، مثل "كوتا" الأقل حظا والمحافظات والمخيمات، فنقلنا الأزمة للجامعات، بل ومنحناها مشروعية سياسية وتوظيفاً أمنياً، ما زاوج بين الاختلالات السياسية والاقتصادية-الاجتماعية، وجعلها واقعاً يمثّل "العقبة الأساسية" في وجه الإصلاح الشامل.

هنا، تحديداً، تكمن نقطة الالتقاء بين الأولويات السياسية والاقتصادية-التنموية والخدماتية. فبالتوازي مع الإصلاح السياسي، لا بد من تدشين ثورة حقيقية في التعليم العام في المحافظات والقرى والمدن والمخيمات، وتحديد سقوف زمنية لها للوصول إلى نتائج ملموسة، بالتوازي مع تحسين الخدمات الأساسية، ما يؤهل شريحة واسعة للدخول مستقبلاً في البناء الجديد، ويرفع عبئا ماليا ثقيلا عن كاهل الطبقة الوسطى التي تعاني من ضغوط شديدة.

لسنا بحاجة إلى توفير وظائف استرضائية تزيد العبء المالي على الدولة، بلا نتائج إيجابية، وترحيل المشكلة إلى مراحل قادمة، ولا إلى اختراعات مثل "الأقل حظا" تجذّر الأزمات ولا تحلها، ولا إلى العودة إلى منطق الدولة الريعية، التي لا تنتج مواطنين بل رعايا معتمدين على الدولة ووظائفها.

ما حمى اليابان بعد الحرب العالمية الثانية وخلق اقتصادها الحالي هو التعليم العام، وما مكن ألمانيا من العودة سريعا بعد تلك الحرب هو التعليم، وما يشغل بال المثقفين والسياسيين الأميركيين اليوم هو التعليم، وما يدركه العالم المتقدم أنك إذا خسرت التعليم خسرت كل شيء!

التعليم العام شرط أساسي للمستقبل وحماية للأجيال المقبلة وحجر الأساس في بناء التوازن الاجتماعي والسلم الوطني.. أيها السادة: نرجو الانتباه!

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »كلام من ذهب (م. سليمان الشطي)

    السبت 12 آذار / مارس 2011.
    مقالة رائعة ومطرزة بحروف من ذهب وتجسيد مثالي للواقع فالتعليم هو حجر الاساس في التنمية والاستثمار الامثل لطاقات الشباب وتكريسها نحو الابداع وخلق الفرص الاستثنائية القائمة على اسس علمية متينة.
  • »آآآآه..... (صائب)

    السبت 12 آذار / مارس 2011.
    آآآآه...
    هي صرخة مريض متألم عندما يضعم الطبيب يده على موضع الألم.

    يا ليت قومي يعلمون...
    يا ليت قومي يقرأون...
    يا ليت قومي يفهمون...
    يا ليت المسؤولين يفقهون...

    مقالة تستحق أن تطرز حروفحا من ذهب.

    هنا البداية... وهنا المراد... وهنا قمة التحضر والتغيير المنشود...

    من هنا يعود الأردن المقصد الأول للعلم والعلماء كما كان في زمن ليس بالبعيد...

    إذا ما كان لابد من العولمة فليس بالتعليم والصحة، لا يمكن لمثل هذه العولمة من ناتج صحي قويم وداعم لحركة التطور.

    فعلا نرجو الانتباه... نرجوكم من كل قلوبنا.
  • »النبي العربي محمد ، صلى الله عليه وسلم كان اول من نادى بمحي الأمية (د. عبدالله عقروق / فلوريدا)

    السبت 12 آذار / مارس 2011.
    لقد تطرقت استاذ محمد الى موضوع في غاية الاهمية ..وأتمنى من كل قلبي أن أجدك في لجنة الحوار التي يرأسها دولة طاهر المصري لأنك أحدكتابنا الكرام من يعرف كيف يخاطب الأزمات بحس وطني مخلص مئة في المئة ، وبقدرة علمية خارقة..والحقيقة أنك من القلائل المستقلين تماما من مؤثرات داخلية أو خارجيه ..ان دين الدولة السماوي ، الأسلام تكلم الكثير عن العلم والتعليم .وأن الله سبحانه وتعالى أول ما قال في القرأن الكريم اقرأ ..ثم اطلب العلم ولو في الصين .أطلب العلم من المهد الى اللحد .وعشرات غيرهم .النبي محمد ، صلى الله عليه وسلم كأن أول انسان في العالم من فعل لمحي الأمية ..ألم يقل النبي العربي لقواده أن يطلقون سراح كل اسير وأسيرة اذا علما عشرة مسلمين اناثا أو ذكورا القرأة والكتابة ..فهذا هو محي الأمية
  • »الوقت قد لا يسعفنا (علاء ابوطربوش)

    السبت 12 آذار / مارس 2011.
    صرختك اخشى ان تكون متاخرة ....
    اخي محمد لا بد انك تعلم ان صندوق النقد الدولي والمؤسسات الدولية تحشر انفها بادق التفاصيل في قطاع التعليم..هل ارتهان ارادتنا الى هذا الحد يمكن ان يصنع لنا نهضة في التعليم؟؟!!!!
  • »تعقيب على" يرجي الانتباه" (ناصر عبيدات)

    السبت 12 آذار / مارس 2011.
    أجاد الكاتب محمد ابو رمان وهو يتعرض بجهد مشكور لموضوع التعليم. يقول المثل الياباني: اذا زرعت اشجار فلعشرة اعوام واذا زرعت رجال فلمائة عام.. فالتنميه البشريه بالتعليم ولكن اى تعليم... مناهجنا الاردنيه مترهله ولا سيما الاطفال في المدارس الابتدائيه وانتهاء بالجامعيه احفادي يعانون في المدارس الابتدائيه فكل واحد يحمل حقيبه مدرسييه تثقل كاهله الغض وعند الرجوع للمناهج تراها محشوه بمناهج عقيمه لارهاق فكر الطالب وحشو سخيف واشياء اخرى لا يحتاجها في حياته العمليه
    في الهند يكمل الطالب دراسته الجامعيه في ثلاث سنوات ونراه في الخليج ينافسنا فالمناهج مدروسه بعنايه فائقه وهناك فرز في استخلاص الانسب .. ثمة امور يصعب استعراضها في هذه العجاله.. نحن نقصم ظهور احفادنا باطالة المنهاج وزيادة الشرح ثم التحدي المنزلي في الضغط على الطالب في البيت من اسرته ليكون الاول في صفه على حساب قدراته في مقتبل عمره .. ويذعن الحزين لارضاء اسرته على طريقة " عنزه تنطح بصخره"

    في كندا تطالب المدرسه ان لا نرهق احفاد بالدراسه لاكثر من ساعه واحده في البيت فقط .. وفي نهاية الاسبوع لايعطى التلميذ واجبا مدرسيا لكي يستمتع بالعطله الاسبوعيه بالذهاب للنشاطات الاخرى كالسباحه او الموسيقى او رياضة الجودو..الدراسه هناك اولا وقبل كل شيء ان تعمل ادارة المدرسه كل جهدها لتحبب الطالب بالمدرسه والمدرس معا وكأنهم اوليْاْ امور الطلبه حريصين كل الحرص على تكوين شخصية الطالب من اى سلبيات ويحرصون على استدعاء اولياء الامور للتشاور باسلوب علماء نفس لان الانسان اغلى استثمار وطني لديهم..

    شكرا للكاتب الكريم واسرة الغد الغراء
  • »تكافؤ الفرص"، وهو مبدأ بديهي في دولة المواطنة والقانون، (m.)

    السبت 12 آذار / مارس 2011.
    عند الحديث، مثلاً، عن "تكافؤ الفرص"، وهو مبدأ بديهي في دولة المواطنة والقانون، فإنّ الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية الحالية تعيق ذلك، إذ إنّ تكافؤ الفرص يستدعي "بنية تحتية" تمكّن الجميع من القدرة على التنافسية، ومن ثم الاختيار على قاعدة الأكفأ والأجدر بعيداً عن الوصاية الأمنية والسياسية، كما يحصل حالياً./محمد أبو رمان
    ... well balanced and just speech from a broad-minded writer .. the whole essay reflects deep understanding of
    governing system absolutely