مجزرة الخليل ما بين 1994 و2011

تم نشره في الثلاثاء 1 آذار / مارس 2011. 03:00 صباحاً

مرّت قبل أيام قليلة، الذكرى السابعة عشرة لمجزرة الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل المحتلة، التي ارتكبها إرهابي من حركة "كاخ"، فقتل 29 فلسطينيا خلال أدائهم الصلاة، وواصلت قوات الاحتلال المجزرة بعد تصفيته لتقتل خلال ساعات قليلة جدا 21 فلسطينيا آخر، احتجوا على المجزرة.

مرّت الذكرى "بهدوء". ولا يمكن أن نعتب أو نلوم عدم إحيائها، فهي لم تكن الأولى وتبعتها مجازر ومجازر، ولكنها تبقى مناسبة لوقفة تقييم للموقف الإسرائيلي منذ العام 1994 وحتى اليوم، خاصة فيما يتعلق بالتنظيمات الإرهابية الإسرائيلية التي تم إخراجها عن القانون صوريا في حينه، لتصبح في هذه المرحلة في سدة الحكم، وذات تأثير قوي على القرار في إسرائيل.

فقد وقعت مجزرة الخليل خلال شهر رمضان المبارك عند صلاة الفجر، حينما دخل الإرهابي "الطبيب" باروخ غولدشتاين، وفتح النار من رشاشه على المصلين، فقتل 29 مصليا، وجرح عشرات آخرين، ووقع عراك، لتتم تصفيته كي لا يواصل القتل أكثر.

وبطبيعة الحال، انتفض الناس غضبا على المجزرة، الأمر الذي لم يرُق لقوات الاحتلال، فبأي حق ينتفضون على من قتلهم؟! فقتلت تلك القوات 21 فلسطينيا، وليصبح عدد الضحايا 50 شهيدا، إضافة إلى عشرات الجرحى.

وقد ظهرت حكومة إسحق رابين، حينها، محرجة أمام العالم، فقد وقعت المجزرة بعد خمسة أشهر من توقيع اتفاق أوسلو، وقبل أشهر قليلة من عودة قيادة منظمة التحرير الفلسطينية إلى الوطن، وكانت مرحلة انفراج سياسي إقليمي وحتى عالمي. فسارعت إسرائيل إلى اتخاذ قرارات داخلية، وأولها إخراج حركة "كاخ" الإرهابية عن القانون، أما فعليا وعلى أرض الواقع، فلم يكن للقانون أي قيمة.

يومها كان لليسار في إسرائيل صوت أعلى وهو المتغلغل في حكومة رابين، هذا اليسار الصهيوني ذو التوجهات الايجابية تجاه حل الصراع، والذي تبلور على وقع انتفاضة الحجر الفلسطينية الباسلة. وقد ظهرت دعوات إلى إخلاء بؤرة الاستيطان الإرهابية من قلب مدينة الخليل، فهي كانت وما تزال حتى يومنا أكبر بؤرة لإرهاب المستوطنين، وهي معقل حركة "كاخ"، إلا أن الحكومة رفضت، ومن المفارقات أن من اغتال رئيس الحكومة رابين بعد عام وتسعة أشهر من تلك المجزرة، تثقف هو أيضا في هذه البؤرة الإرهابية.

أما الإرهابي غولدشتاين، فقد سمته عصابات المستوطنين "قديسا"، وبنت له قبرا مع حديقة قرب الخليل، ليصبح مزارا لهم، وكتبوا عنه كتبا تمجده وتمجد مجزرته، وتباع علنا في إسرائيل.

ونذكر أيضا أن مؤسس "كاخ"، الإرهابي مئير كهانا في السبعينيات، ولاحقا عضو كنيست لدورة واحدة قبل منعه من المشاركة في الانتخابات بفعل قانون إسرائيلي، كان في مطلع الثمانينيات منبوذا في الحلبة السياسية، حتى من قبل أقطاب اليمين السياسي المتشدد. أما اليوم، ومنذ الأسابيع الأولى التي تبعت المجزرة، فلم تكن أي قيمة لحظر حركة "كاخ" التي واصلت نشاطها ورفع أعلامها في كل المظاهرات والنشاطات، تحت تسميات مختلفة، لا بل زادت من توسعها وأفكارها التي كانت مرفوضة، وعلى رأسها الطرد الجماعي للعرب، والتي تنتشر اليوم في جميع الأحزاب اليمينية المتشددة، وعلى رأسها الليكود، ولكن بتسميات أخرى، وبأساليب مختلفة.

وفي انتخابات العام 2009، انتخب للكنيست من كان مديرا عاما لحركة "كاخ" الإرهابية، الإرهابي بامتياز ميخائيل بن آري. ومساعداه البرلمانيان هما أيضا من زعامة حركة "الفكرة اليهودية" الاسم الجديد لحركة "كاخ"، وهو اليوم خلافا لسابقه كهانا، ليس منبوذا، بل من أبرز النواب الذين يقررون اللهجة ونمط الخطاب العنصري في الكنيست وفي سدة الحكم، رغم كونه شكليا من نواب المعارضة، أما التملق السياسي لهذا النائب فيبدأ من رئيس الحكومة نتنياهو وحتى آخر وزير هامشي في حكومته.

إسرائيل 2011، التي رفض الرأي العام فيها فكرة الطرد الجماعي للفلسطينيين في سنوات خلت، باتت تسيطر هذه الفكرة على 55 % من الرأي العام فيها، وفق استطلاعات عديدة، ومن أكبر المعاهد والجامعات الإسرائيلية صدرت في السنوات الأخيرة، فهؤلاء يؤيدون فكرة "تحفيز" الحكومة للعرب على "مغادرة" وطنهم، أما "التحفيز" فهو اسم التورية للطرد، ولا يمكن قراءة سياسة التمييز العنصري ضد فلسطينيي 48، ونسبة الفقر والبطالة بينهم التي تصل إلى ثلاثة وأربعة أضعاف نسبتها بين اليهود، إلا تطبيقا لهذه "الفكرة".

التعليق