إبراهيم غرايبة

التأسيس للإصلاح وفلسفته

تم نشره في الاثنين 28 شباط / فبراير 2011. 02:00 صباحاً

ليس سيئا تحويل قضية كازينو البحر الميت ومشروع سكن كريم إلى هيئة مكافحة الفساد، رغم مظنة أنها مبادرات تحركها استراتيجية شراء الوقت. ولكن المطلوب لأجل الإصلاح مختلف عن المبادرات الطيبة المعزولة عن حالة وتقاليد سياسية وقضائية تجعل مكافحة الفساد عملية روتينية وإجرائية، لا تقوم على المبادرات، أو تموت بالتجاهل.

المطلوب ببساطة ووضوح، بناء تشريعات وحالات وتقاليد تستهدف الإصلاح كحالة متواصلة ومستمرة، وتجعل الرقابة المالية والإدارية والقضائية عملية يومية، تقوم بها المؤسسات المختصة وفق المهمات المنوطة بها على نحو مرافق للعمل العام من دون استئذان أو تدخل إيجابي من أحد من المسؤولين، تماما مثلما أن الموظف المختص يمنح رخص المهن بلا انتظار أو مبادرة من مسؤول لإصدار كل رخصة. فالمطلوب هو منظومة تشريعية وإجرائية تجعل أي قصة فساد خبرا عاديا، مثل النشرة الجوية على سبيل المثال، وليس عملية احتفالية مهرجاناتية، لأن أسلوب الإعلان أو المبادرات المعزولة يثير الخوف والريبة، فهناك حالات من المخالفات والتجاوزات كبيرة جدا، وترافق على نحو متواصل ومتكرر الإجراءات والقرارات الإدارية والمالية، ويحتاج تصويبها إلى آليات روتينية وسهلة من المراقبة والاعتراض. وبذلك، فإن الإصلاح المالي والإداري المنشود لن يكون عملية واحدة أو "ضربة قاضية" للفساد، ولكنه محصلة عدد هائل من الإنجازات والعمليات والقرارات الصغيرة والمتراكمة، وتنشئ مع الزمن تقاليد إصلاحية. وهذا يحتاج، ببساطة، إلى تشريعات ومؤسسات قضائية ورقابية مستقلة وفاعلة، ويبدأ ذلك باستقلالية القضاء ووقف هيمنة السلطة التنفيذية على القضاء والمحاكم وديوان المحاسبة.. قانون النيابات العامة المؤقت على سبيل المثال.

والعدالة الاجتماعية وعدالة التوزيع لا يمكن النظر إليهما بجدية واحترام وهما تحت رحمة قرار ومزاج مسؤول، في الوقت الذي يرزح المواطن تحت وطأة رزمة هائلة من التشريعات والسياسات والتسهيلات التي تذبح الفقراء ومتوسطي الحال. فأولى من أي مبادرة لدعم السلع أن يعدل قانون الضريبة "المؤقت" ليكون عادلا وتصاعديا، وليس مثل قانوننا المؤقت "الغريب" الذي يعفي الأغنياء ويتوجه إلى جميع المواطنين بضريبة مبيعات مرعبة. فتفعل الحكومة خيرا وتجعلنا نصدق أنها جادة، إذا خففت ضريبة المبيعات وعدلت ضريبة الدخل، وواجهت التهرب الضريبي بحزم وفعالية وجدية. ولكن الجدية في تحصيل الضرائب اليوم لا تبدو إلا في المبيعات، والتي تثقل كاهل جميع المواطنين، ولا تبدو في مجال الأعمال والمهن والمصالح والمؤسسات الكبرى، ولا حاجة لنا بعد ذلك بحكاية دعم السلع وتثبيت أسعارها! والمنّ على المواطنين الفقراء ومتوسطي الحال بذلك، في الوقت الذي تقتطع منهم ضرائب خيالية.

ولا بأس بتكرار القول إنه في الوقت الذي تعمل فيه المؤسسات التعليمية والصحية بكفاءة واقتدار وضمن النفقات المبذولة نفسها من غير زيادة، فإن الحكومة ستوفر على المواطنين بلايين، وهذا الوفر لن ينقص من موارد الخزينة العامة شيئا، وسوف ينشئ تحديا لموردي الخدمات التعليمية والصحية من القطاع الخاص للارتقاء بخدماتهم، بدلا من حالة الاحتكار والتحكم الواقعة على المواطن من القطاع الخاص فضلا عن الحكومة!

ibrahim.ghraibeh@alghad.jo

التعليق