الأزمة الثلاثية في العالم العربي

تم نشره في الاثنين 28 شباط / فبراير 2011. 03:00 صباحاً

 
كان العوز الاقتصادي وعدم المساواة، إلى جانب القمع السياسي، من الأسباب التي حرضت على الثورتين المصرية والتونسية. وإننا لنأمل بالطبع أن تحرص الحكومات الجديدة في هذين البلدين، وغيرها من البلدان العربية، على التعامل بشكل أفضل مع مظالم الناس العاديين. ولكن مجرد تغيير الحكومة لا يعني زوال المشاكل الاقتصادية في هذه البلدان. والواقع أن التأثيرات المجمعة للنمو السكاني، وتغير المناخ، واستنزاف الطاقة، من شأنها أن تمهد الطريق أمام أزمة ثلاثية وشيكة.

إن المنطقة تمثل 6.3 % من سكان العالم، ولكنها رغم ذلك تستحوذ على 1.4 % فقط من المياه العذبة المتجددة. وتضم المنطقة اثني عشر بلداً من أصل الخمسة عشر بلداً الأكثر معاناة من ندرة المياه على مستوى العالم (الجزائر، وليبيا، وتونس، والأردن، وقطر، والمملكة العربية السعودية، واليمن، وعُمان، والإمارات العربية المتحدة، والكويت، والبحرين، وفلسطين). وفي ثمانية من هذه البلدان، لا تتجاوز كميات المياه العذبة المتاحة سنوياً 250 مترا مكعبا للشخص. فضلاً عن ذلك، فإن ثلاثة أرباع المياه العذبة المتاحة في المنطقة تتركز في أربعة فقط من بلدانها: إيران، والعراق، وسورية، وتركيا.

ويرتبط استهلاك المياه في المنطقة بشكل كبير بالزراعة الصناعية. فمنذ العام 1965 وحتى العام 1997، كان النمو السكاني في العالم العربي سبباً في ارتفاع الطلب على التنمية الزراعية، الأمر الذي أدى إلى مضاعفة الأراضي المروية. ومن المتوقع أن يؤدي التوسع الديموغرافي في هذه البلدان إلى تفاقم المحنة.

ورغم أن معدلات المواليد في انخفاض، فإن ثلث إجمالي السكان ينتمي إلى فئة عمرية أقل من خمسة عشر عاما، وهناك أعداد كبيرة من الفتيات يقتربن من سن الإنجاب. وقد توقعت وزارة الدفاع البريطانية أن يرتفع عدد سكان منطقة الشرق الأوسط بنسبة 132 % بحلول العام 2030، وأن يرتفع عدد سكان البلدان الواقعة إلى الجنوب من الصحراء الكبرى في إفريقيا بنسبة 81 % بحلول نفس العام، وهو ما من شأنه أن يولد "طفرة شباب" غير مسبوقة.

وفي تقرير صادر عن البنك الدولي العام 2005 لتقييم قطاع المياه في بلدان الخليج، يتوقع أن تؤدي الضغوط الديموغرافية في هذه البلدان إلى انخفاض المتاح من المياه العذبة إلى النصف، وهو ما قد يعمل بدوره على تفاقم خطر اندلاع الصراعات بين الدول. ولقد لعبت المنافسة على السيطرة على مصادر المياه دوراً رئيساً بالفعل في تحريك التوترات الجغرافية السياسية في المنطقة، على سبيل المثال بين تركيا وسورية؛ وبين الأردن وإسرائيل والسلطة الفلسطينية؛ وبين مصر والسودان وإثيوبيا.

وبانخفاض الإمدادات المتاحة من المياه إلى النصف، فقد تتحول هذه التوترات إلى أعمال عدائية مفتوحة. وفي حين تُرجِم النمو الاقتصادي المصحوب بتوسع المناطق الحضرية وارتفاع نصيب الشخص من الدخل إلى تزايد الطلب على المياه العذبة، فإن التحركات السكانية التي نتجت عن ذلك تعمل الآن على تفاقم التوترات العرقية المحلية.

إن المواطن العربي المتوسط سوف يكون مضطراً بحلول العام 2015 إلى الحياة على أقل من 500 متر مكعب من المياه سنويا، وهو المستوى الذي نستطيع تعريفه بالندرة الشديدة. ومن المؤكد أن التحولات في أنماط سقوط الأمطار سوف تؤثر على المحاصيل الزراعية، وخاصة الأرز. ويشير نموذج "العمل كالمعتاد" في التعامل مع تغير المناخ إلى أن متوسط درجات الحرارة العالمية قد يرتفع بمقدار 4 درجات مئوية بحلول منتصف القرن. وهذا من شأنه أن يدمر الزراعة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، مع انخفاض غلة المحاصيل بنسبة 15% إلى 35%، اعتماداً على قوة تخصيب الكربون.

إن تكاليف تشييد بنية أساسية قادرة على التصدي لأزمة المياه على مستوى العالم قد تصل إلى تريليونات من الدولارات، وسوف يحتاج تشييد هذه البنية الأساسية إلى استهلاك الطاقة بكثافة. ونتيجة لهذا، فإن إنشاء بنية أساسية جديدة لن يؤدي إلا إلى تخفيف تأثير الندرة على البلدان الأكثر ثراء.

ومن المتوقع أن يؤدي استنفاد الطاقة الهيدروكربونية إلى تعقيد الأمور. ففي تقرير الطاقة العالمية الصادر في العام 2010، ذكرت وكالة الطاقة الدولية أن إنتاج النفط التقليدي على مستوى العالم بلغ ذروته في العام 2006، وأنه الآن في انحدار. وهذه النتيجة تتفق مع أحدث البيانات الخاصة بالناتج، والتي تظهر أن إنتاج النفط في العالم كان في تموج، ولكنه آخذ في الانحدار التدريجي منذ العام 2005. ومع ذلك، فقد ذكرت الوكالة أيضاً أن العجز سوف يتم التعويض عنه بفضل استغلال الاحتياطات التقليدية من النفط والغاز بشكل أكثر كثافة، وإن كان ذلك بأسعار أعلى كثيرا، بسبب ارتفاع التكاليف البيئية وتكاليف الاستخراج.

والأنباء السيئة هنا هي أن تفاؤل الوكالة الدولية للطاقة قد يكون في غير محله. ذلك أن البلدان الست الأكثر إنتاجاً للنفط في الشرق الأوسط تحتفظ رسمياً بما يقرب من 740 بليون برميل من الاحتياطات المؤكدة من النفط. ولكن الجيولوجي البريطاني ايوان ميرنز، من جامعة أبردين، لاحظ أن البيانات المنشورة تحدد حجم هذه الاحتياطات على الأرجح بنحو 350 بيلون برميل فقط. كما أشار كبير المستشارين العلميين السابق لحكومة المملكة المتحدة، ديفيد كينغ، في دراسة خاصة بسياسات الطاقة، إلى وجود مبالغة في تقدير حجم الاحتياطات العالمية من النفط بمقدار الثلث، الأمر الذي يعني ضمناً أننا نقترب من "نقطة تحول" كبرى في إنتاج النفط.

كل هذا لا يعني أن عصر النفط الرخيص قد انتهى فحسب، بل يعني أيضاً أن البلدان الرئيسة المنتجة له سوف تجد نفسها في غضون العقد المقبل في مواجهة قيود جيولوجية باهظة التكاليف. وإذا صح ذلك، فهو يعني أن مساهمة نفط الشرق الأوسط في الاستهلاك العالمي من الطاقة قد تصبح ضئيلة للغاية بحلول العام 2020، بل وربما بحلول العام 2015. وهذا يعني خسارة فادحة من إيرادات الدول العربية الرئيسة المنتجة للنفط اليوم، وهو ما من شأنه أن يجعل هذه البلدان عُرضة لعوامل خطيرة متراكبة، من نقص المياه، والتوسع الديموغرافي السريع، وتغير المناخ، وانخفاض غلة المحاصيل.

إن هذا السيناريو الأسوأ ليس محتما، ولكن نافذة الفرصة المتاحة أمام السياسات لمعالجة الموقف ضيقة. والواقع أن إحياء جهود الحفاظ على الموارد وإدارتها وتوزيعها قد تعمل على الحد من استهلاك المياه وزيادة الكفاءة، ولكن هذه التدابير لابد وأن تقترن بإصلاحات جذرية ترمي إلى التعجيل بالانتقال بعيداً عن الاعتماد على النفط إلى تشييد بنية أساسية للطاقة المتجددة الخالية من الكربون.

إن الاستثمارات المنسقة في الصحة والتعليم وحقوق المواطنين، وخاصة النساء، تشكل الأدوات الرئيسة للحد من النمو السكاني في المنطقة وتنويع اقتصادها. ولقد بات من الواضح على نحو متزايد أن الحكومات العربية التي تفشل في تنفيذ مثل هذه التدابير بشكل عاجل لن تتمكن من البقاء.

* المدير التنفيذي لمعهد أبحاث السياسات والتنمية في لندن.

خاص بـ الغد بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق