رأي في تقرير قناصل الاتحاد الأوروبي المعتمدين في القدس

تم نشره في الثلاثاء 22 شباط / فبراير 2011. 02:00 صباحاً

 

التقرير الذي أعده مؤخرا قناصل دول الاتحاد الأوروبي المعتمدون في الشطر الشرقي للقدس حول سياسة إسرائيل التهويدية للمدينة، وسياستها الاستيطانية المتواترة بهدف عزل القدس عن الضفة الغربية، وشطر الضفة إلى شطرين شمالي وجنوبي بما يخلق واقعا ديموغرافيا يستحيل معه عودة الشريط الشرقي المحتل -في أعقاب حرب الخامس من حزيران (يونيو) الإسرائيلية العدوانية التوسعية- إلى السيادة العربية الإسلامية من جهة، وتستعصي معه إقامة الدولة الفلسطينية على الضفة الغربية المحتلة بحدود ما قبل تلك الحرب، أي على حدود الرابع من حزيران (يونيو) 1967 من جهة أخرى؛ هذا التقرير يكتسب أهميته، أولاً، كونه صادرا عن هيئة سياسية منحازة دولها لإسرائيل، لاعتقادها بأنها إحدى مصالحها الحيوية في المنطقة، وثانياً لأنه تقرير لواقع معاش، وثالثاً أنه يأتي في ظروف إقليمية ودولية في غاية الحساسية والدقة، وخاصة تلك المتعلقة بمنطقتنا العربية التي بدأت تلوح في الأفق، ورابعاً لاستناده إلى أحكام القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، وكذلك إلى منظومة الاتفاقيات والمعاهدات الدولية ذات الصلة وأبرزها اتفاقيتا لاهاي لعامي 1907 و1954، واتفاقيات جنيف الأربع وخاصة الرابعة منها (12/8/1949)، ومنظومة الشرعية الدولية المتمثلة بقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة بالصراع الإسرائيلي-العربي ومحوره القضية الفلسطينية وجوهرها القدس، وخاصة تلك الصادرة عن مجلس الأمن، وتحديدا القرارات 242/1967 و478/1980 و480/1980 (قانون أساسي القدس) حول عدم جواز احتلال الأرض بالقوة وأن "القدس الشرقية" أرض محتلة شأنها شأن بقية الأراضي المحتلة (الضفة الغربية، ومرتفعات الجولان السورية، ومزارع شبعا اللبنانية)، وانطباق اتفاقية جنيف الرابعة عليها، وأشارت إليها مقررات اللجنة الرباعية الخاصة بخريطة الطريق نحو حل الدولتين: دولة فلسطينية وعاصمتها الشطر الشرقي من القدس إلى جانب الكيان الصهيوني، واعتبار جميع إجراءات اسرائيل التهويدية باطلة ولاغية، ومطالبتها بالامتناع عن الإتيان بأي عمل من شأنه أن يغير في الطبيعة الديموغرافية والحضارية والتاريخية والدينية للأراضي العربية المحتلة، بما في ذلك القدس.

كما يستند التقرير، خامساً، إلى قرار الجمعية العامة د. أ- 10/ في 20/7/1944 بخصوص الجدار العازل المستند إلى القرار الاستشاري لمحكمة العدل الدولية في 9/7/1994 والقاضي بعدم شرعيته وضرورة تفكيكه وتعويض المتضررين منه، ومطالبة الدول الأعضاء بالعمل على إلزام إسرائيل بذلك القرار.
ويقع تقرير القناصل الأوروبيين في قسمين: الأول، وضح بالتفصيل إجراءات التهويد والاستيطان وهدم المنازل والتدمير والحفريات اللاشرعية التي أجرتها سلطات الاحتلال الإسرائيلية في "القدس الشرقية"، بما يجعل من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، عودتها للسيادة العربية الفلسطينية وفقا لقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة.

أما القسم الثاني فيتضمن مجموعة من "التوصيات القوية"، وإن كانت تفتقر إلى صفة الإلزام، وأهمها مقاطعة منتجات المستوطنات الإسرائيلية، وحظر التحويلات المالية لمنظمات الاستيطان الإسرائيلية، ورفض أي شكل من السيادة الإسرائيلية على "القدس الشرقية"، وحض دول الاتحاد الأوروبي على الاعتراف بدولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران (يونيو) 1967.

وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أنها ليست المرة الأولى التي يصدر عن قناصل دول الاتحاد الأوروبي المعتمدين في القدس مثل هذا التقرير، فقد سبق لهم أن أصدروا مثل هذه البيانات والتقارير في أعوام سابقة، لكنها ظلت عمليا حبرا على ورق، وذلك بسبب السطوة الأميركية الإسرائيلية على صناع القرار السياسي للاتحاد الأوروبي، وعدم استعداد الأخير للدخول في مواجهة مع الولايات المتحدة الأميركية التي ما تزال تصر على احتكار ملف القضية الفلسطينية والتفرد به، ولأن بعض الدول ذات الثقل السياسي في الاتحاد وخاصة ألمانيا الاتحادية وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا غير مستعدة لتأزيم علاقاتها مع أميركا وإسرائيل مع أن مصالحها الحيوية في المنطقة تقتضي العمل بكل قوة لحسم هذا الصراع المخضرم، بقيام دولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران (يونيو) 1967 وعاصمتها الشطر الشرقي من القدس، ولأن تمسك الاتحاد الأوروبي بمواقفه اللفظية هذه لا يكلفه باعتقاده الثمن الذي قد يدفعه في مجال علاقاته مع الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، طالما أن العرب راضون بمثل هذه المواقف اللفظية وغير قادرين أو راغبين في ممارسة أي ضغوط على الاتحاد الأوروبي، مكتفين بالمناشدة التي طال زمانها ولم تجد نفعا.

كما تجدر الإشارة أيضا إلى أن دول الاتحاد الأوروبي قد استسلمت لواقع القدس الحالي، فلم تعد حتى وهي على هيئة السوق الأوروبية المشتركة الذي كان يضم ست دول، ولا بعد أن أصبحت تعرف بالمجموعة الأوروبية التي كانت تضم 12 دولة، تنظر للقدس بشطريها الشرقي والغربي على أنها أرض محتلة خلافا لمنطوق قرار الأمم المتحدة 181/1947 القاضي بتدويل القدس، حيث نص على أن يكون للقدس كيان خاص (CORPUS SEPARTUM) بالحدود المنصوص عليها في القرار المذكور، إذ إن القدس بكاملها وفقا لهذا القرار أرض محتلة يجب على إسرائيل الانسحاب منها.

كما لا بد من التأكيد على أن مصالح الاتحاد الأوروبي الحيوية في المنطقة، ومنها إسرائيل، تقتضي من قادته أن ينصتوا إلى توصيات قناصلهم، وأن يعملوا على انتهاج سياسة تجبر إسرائيل على الإذعان لصوت العقل وقرارات الأمم المتحدة التي تطالبها بالانسحاب من كافة الأراضي العربية المحتلة، وتمكين الشعب العربي الفلسطيني من حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني وعاصمتها الشطر الشرقي من القدس.

أجل، على الاتحاد الأوروبي أن يتخلى عن مواقفه اللفظية أو الدبلوماسية التي لم تعد تنفع أيا من أطراف النزاع، بل تزيد الأزمة توترا، سيما وأن المنطقة تغلي، فهي تتربع على فوهة بركان يوشك أن ينفجر في أي لحظة!


* أمين عام اللجنة الملكية لشؤون القدس.

التعليق