إبراهيم غرايبة

مصر: الثورة الشبكية

تم نشره في الاثنين 14 شباط / فبراير 2011. 02:00 صباحاً

الحدث المصري سوف يظل محطة كبيرة في التاريخ الاجتماعي والسياسي، ربما لقرون طويلة. فهو ليس مجرد ثورة أو انتفاضة أو تغيير حاكم، ولكنه تعبير عن التحولات الكبرى والهائلة في الأفكار والقوى والموارد المنظمة لحياة الناس وللسياسة والاقتصاد، وبداية لفقه "غلبة" جديد.

فلو نظرنا في التاريخ السياسي وانتقال السلطة والتأثير، سنجده تقوده فئة من الناس، من الأرستقراطيين والقبائل والأحزاب والقادة العسكريين، وهو ما أنشأ "فقه الغلبة" الذي عبر عنه ابن خلدون. ولكنها المرة الأولى التي يتحرك فيها الناس جميعهم، لا تنتظمهم أحزاب سياسية أو مؤسسات هرمية وقيادية، ولكنه تغيير مستمد من حراك الطبقات والمصالح والمجتمعات بشبكيتها. الثورة المصرية تعبير واضح عن التحولات الكبرى والجذرية.. من الهرمية إلى الشبكية، أو من الأرستقراطية والنخب إلى الطبقة الوسطى، ومن الحتمية إلى الاختيار، ومن التلقي إلى المشاركة، ومن التمييز إلى المساواة، مساواة تقترب من المطلقة، ومن اليقين إلى الشك، ومن الأنظمة المدرسية إلى التجربة، ومن الدول والمجتمعات تتحول إلى شبكة ليس لها مركز، أو لها مراكز كثيرة متعددة، وربما لانهائية. فكل عضو في الشبكة قادر على التأثير والمشاركة والوصول (Access) على قدم المساواة مع الآخرين مهما كانت ثرواتهم ومواقعهم.

هذا ما كان يجب إدراكه عندما بدأ الراعي في الصحراء يشارك عبر الإنترنت والأقمار الصناعية مع العالم على قدر من الوصول لم يكن متاحا سوى لحفنة قليلة جدا من الناس "الواصلين"، ولكن الناس اليوم كلها "واصلة". ويتذكر جيلنا عندما كانت متابعة محطة "سي. إن. إن" ميزة هائلة لا تحظى بها إلا نخبة النخب. وهكذا، فإن المعلومة التي كانت محفوظة/ محتكرة في خزائن النخب ولا يمكن الوصول إليها إلا بإذن الحراس الأشداء، أصبحت متاحة، وبإتاحتها فإن القوة أصبحت مشتركة، لأن المعلومة هي القوة، فالمعلومة تشكل المعرفة والموقف، أنت تقف حيث تعرف!

الثورة الفرنسية (1789) كانت تعبيرا عن أثر الصناعة والآلة، كانت ثورة المحرك البخاري، أنشأت المدن والأحزاب والطبقات الوسطى، والرواية والموسيقى والفنون، ولكن الثورة المصرية تعبير عن "الشبكية"، تعبير عن المجتمعات والموارد والثقافة التي تتشكل حول الشبكة. سوف تنشئ المجتمعات التي تعلم نفسها بنفسها، والإنسان الذي يعمل بنفسه ولنفسه، والفرد الذي يرتقي بنفسه إلى آفاق جديدة ومجهولة، الإنسان الجديد "السوبر" الذي يحسب نفسه قادرا على كل شيء.

المجتمعات والدول المقبلة يقودها وينشئها الإبداع والخيال!

ibrahim.ghraibeh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »كلنا معكم ايها الشباب (محامي المستقبل حمزة احمد ابوصليح)

    الاثنين 14 شباط / فبراير 2011.
    تعقيبا على مقالة استاذنا ابراهيم غرايبة ، اقول : ان ما يميز الثورة المصرية هذه هو الاندفاع الشبابي الكبير فلقد اصبحت تحس الوعي الشبابي وبالنضوج الفكري لدى الشباب العربي ، فلم يعد الشباب غير مباليين بما يحدث في عالمهم بل اصبحوا مركزا لقيادة الثورات ، وهذا تحول جدير بالمتابعه وبالتشجيع .
    فهذه الثورة غيرت الكثير من المعايير والمفاهيم التي كانت سائدة بأن الشباب العربي لا يتحملون المسؤولية ولا يركن عليهم ... بل اصبحوا الاساس الذي يجب ان يبنى عليه .
    فكلنا معكم ايها الشباب
  • »شكرا لشباب مصر (amalalkhaledy)

    الاثنين 14 شباط / فبراير 2011.
    على مدى اجيال وعقود لم تندلع في دنيا العرب والمسلمين ثورة واحدة ضد التقليد او الاستبداد كانت هناك انتفاضات قامت هنا وهناك قصيرة النفس فقيرة المضمون شكلت الاستثناء فكان علينا ان ننتظر مرور نصف قرن بعد ثورة وادي النيل وبلاد الرافدين لنشهد ثورة ومقاومة حقيقية للتمرد على التاويل السلطاني والانطلاق الى افق الحداثة
    ان دقة الظروف الراهنة وخطورة التحدي والاوضاع القائمة كانت تملي على حركات المقاومة العربية تقديم التناقض الرئيس اي العدو الطامع الخارجي على التناقض الثانوي وهو مواجهة الحكومات المستبدة غير ان هذه المقاربة في مواجهة التحديات والاخطار لم تعد تجدي ولم ينفع معها السكوت على تدابير القمع والتسلط فشهدنا ثورة حقيقية قام بها الشباب المصري غير فيها وجه التاريخ واصبحت الحرية مطلقة للشعوب وليست انقطاع طارى لطاعة مزمنة