عيسى الشعيبي

سقوط دولة الفرعون

تم نشره في الأحد 13 شباط / فبراير 2011. 02:00 صباحاً

لم يكن غياب الرئيس المصري السابق، حسني مبارك، عن خشبة المسرح السياسي، الذي احتله طوال ثلاثة عقود زمنية كئيبة، مجرد قرار بالتنازل أو رغبة بالتنحي أو الاستقالة، وإنما كان سقوطاً سياسياً وأمنياً وشعبياً مدوياً، سُمع رجع ارتطامه بالأرض داخل مصر كلها، وملأ صداه الفضاء الإقليمي والدولي على اتساعه.

ولا يشبه سقوط هذا النظام أي سقطة حدثت، ليس لأنه بدا حتى الأمس القريب مستقراً وعاتياً في وجه المتغيرات الداخلية المحتملة، ولا لأنه كان يملك منظومة أمنية متمرسة في فنون القمع والمنع والإذلال، وإنما لأنه كان امتداداً تاريخياً متصلاً لدولة الفرعون القديمة قدم أبي الهول ورمسيس ومنقرع.

وقد يكون أول من التقط مغزى هذا السقوط قبل أن يحدث، واشتق هذا التعبير البارع في مبناه ومعناه، هو المثقف الليبرالي المصري الكبير الدكتور عبدالمنعم السعيد، الذي قال في الأسبوع الأول من أيام الثورة الشعبية: "إن انتهاء عهد الرئيس مبارك سيكون بمثابة نهاية لدولة الفرعون القائمة منذ آلاف السنين".

ذلك أن مصر على مدى تاريخها الطويل لم تعرف تداولاً سلمياً للسلطة، ولم يغادر أي من حكامها موقعه إلا إلى مثواه الأخير أو إلى منفاه البعيد، سواء أكان فرعوناً أو والياً أو مملوكاً أو خديوياً أو رئيس جمهورية، الأمر الذي بدت فيه نهاية مبارك كحالة استثنائية فارقة في مسيرة حكام مصر على مر القرون.

وأهم من ذلك، فإن سقوط مبارك بفعل قوة التغيير الشعبي وحده، ومن دون تدخل من جانب الجيش، يعد واقعة تاريخية فارقة في حياة مصر وحياة شعوب هذه المنطقة التي بدأت حديثاً في استكشاف مصادر قوتها الذاتية، واسترداد مفاتيح قدرتها على تغيير واقعها والتعويل على نفسها ببلاغة مفتقدة منذ تاريخ طويل.

وهكذا، فإن هذه الواقعة التاريخية، بكل ما في لفظة التاريخية من عبق ومضمون، واقعة لا تخص المصريين وحدهم، ولا تتوقف نتائجها بعيدة المدى عند حدود بر مصر فقط، وإنما تخاطب أيضاً العرب والمسلمين على حد سواء، بل وعواصم صنع القرار، وبورصات المال، ومنظومات الأمن، وشتى الأفكار المسبقة والمعاهدات المجحفة وغير ذلك الكثير.

ولهذا بدا العالم وكأنه يقف على رؤوس أصابع قدميه وهو يراقب هذا المخاض الذي دام ثمانية عشر يوماً عظيماً، ثم جاء الوليد مكتملاً معافىً يشبه بحر النيل وقسمات أهل الصعيد وروح مثقفي مصر، وعبقرية شخصيتها الحضارية، ووجوه أجيالها الجديدة التي حولت العالم الافتراضي إلى واقع عملي ملموس وسط دهشة الجميع وسعادتهم الغامرة.

على خلفية ذلك كله يكتسب هذا المخاض الذي عبرته مصر بنجاح فاق أفضل التوقعات، قيمة تغييرية هائلة، من المقدر لها أن تلهب خيالات شعوب أخرى تكابد القهر والفقر مثْلاً بمثل، وأن تقلقل حكاماً استمرؤوا حالة انقطاعهم المديد عن الواقع بالتمام والكمال، وأن تملي على الغرب وحليفته المفضلة إسرائيل إعادة الحساب، ثم إعادة الحساب من جديد، والتموضع في حيز القلق والانتظار.

فإذا كان سقوط دولة الفرعون، بكل جبروتها وتجذرها، وتقاليدها الموغلة في الترهيب والترغيب، قد حدث بهذه العفوية الشعبية المفرطة، وبكل هذه الإيجابية التي لا تشوبها شائبة عنفية، ولا مشاعر انتقام وكراهية، فما بال دول الكولونيلات والترهات والأحزاب السلطوية المتهالكة، والزعماء الذين يصدقون إعلامهم أن القطيع يغط في النوم وأن الثعالب تختبئ في أوكارها بعيداً عن الحياض؟

من المرجح تماماً أن تنشغل مصر بنفسها إلى أجل قد يطول بعض الشيء. أما جوار مصر القريب ومحيطها الأبعد فسوف يظلان منشغلين بتداعيات هذه الثورة الشعبية الملهمة، يهجسان بها وبمفاعيلها، يقاربانها كل من زاوية مصالحه وهمومه واهتماماته، هذا يحاول أن يتملقها وذاك أن يدرأ عنه عواقبها، فيما نحن سنواصل الاحتفاء بها والتغني بكل ما فاضت به علينا من أمل وتفاؤل ورجاء كنا حقاً في أشد الحاجة إليه.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الى خالد الشحام (nada)

    الأحد 13 شباط / فبراير 2011.
    أخي خالد اشكرك على روعة ما كتبت وبصدق انك اشعلت مشاعري بكل كلمة كتبتها لك ارق تحية ودمت
  • »سقوط بوش العربي (خالــد الشحـــام)

    الأحد 13 شباط / فبراير 2011.
    سيد عيسى شكرا جزيلا لهذا المقال ، اسمح لي أن اتكلم بصيغة الكلام الخارج عن قانون التقليد لأن الكلام التقليدي والتحليل العادي لن ينفع في استيعاب حجم فيض المشاعر وكبر المفأجأة .


    أنا بوش العربي ..أنا ليل الجوع الطويل ... وأنا احاصركم احاصركم
    ترد العيون الباكية على ثلاثين خريفا مضى : صدورنا باب لكل الرصاص ..ارحل
    أنا تزاوج العذاب- الخديعة ، الضياع – الذل ، اللصوصية – العصابة ، الوطنية – الخيانة.
    يقول العالقون في مطارات ما بين العوالم : ارحل !
    أنا قائد الطيران ، بائع الغاز ، باني الهرم ، صانع السلام ، رجل الاسكان ، ساكب الحديد
    يهتف الموتى في القبور : ارحل !
    أنا سلبتكم لأدخر لكم ، حرقتكم كي تكون الحياة أقصر فأمتع
    تصيح الطيور المهاجرة : ارحل !
    أنا الزبانية ،هجوم المتحف ، صاحب الخيول والبغال ، سارق الأثار وراسم مجرى النيل
    يهتف النيل من عمق الطبقة السفلى الموحلة : عليك اللعنة ..ارحل
    سأخلع فردة من حذائي وسأعرض جسدي للعلن فاتركوا لي بقية من حياء
    تفجرت في الميادين صيحات راعدات وعيون داميات : ارحل .. ارحل!


    هو فرعون ذو الأوتاد... الذي جاب الخزي للبلاد.. واكثر فيها من الفساد
    هو رأس ثمود الذي شتم ما وراء الغيب وتجبر فبنى سور الفولاذ طاعة لسادته الأوغاد
    تعلق ببقية قسم التلمود لعل الشفاعة تنفع وبغرور سنوات السلام والرماد
    في يوم لا رجاء ينفع ولا طعن السن يشفع... طلب الرحمة من السماء فأتته ملائكة العذاب تقول : يا ملعون .. منها ... ارحل!


    يا شعب مصر العظيم ..اليوم اناديكم وأشد على أياديكم وابوس الأرض تحت نعاليكم .
    اليوم عادت أرواح أطفال غزة التي تهيم فوق القاهرة طلبا للرحمة إلى مثواها الأخير
    يوم الجمعة فقط شاهد أهل تكريت شبحا ينساب من قبر رافعا يدا بعلياء نحو السماء
    في الجمعة فقط بالكلمة الهادرة زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت له قتلاها وجرحاها


    جاؤوك من جيوب الفقر ليعرفوا سبب فقرهم
    تدافعوا من عيون الماء ليعرفوا سبب جفافها
    صعدوا من هواء البحر الملوث ليشعلوا أرواحنا التي ذبلت ويعيدوا النيل لمجراه
    سافروا إلى الغيب ومعهم كتاب الرسل
    صيحاتهم هي اختصار لثلاثين خريفا ضاعت في الهوى
    الوجدان والحب يسبق طلب الموت المشرف


    عاصمة مصر المقهورة هي الان القاهرة لعصابة اللصوص.
    هذه احتفالية الجائع فيها والمحاصر بجوارها والمقهور في غربته عنها
    نهر النيل اليوم ينهض من اوحاله السوداء ويفيض محبة من جديد
    ويرد الجميل للقروية الجميلة المحرومة ويمسح خدها المشرب بالحمرة
    نهر النيل اليوم أقسم أن لا ييأس من جديد ....


    مصر في ذاكرتنا هي الحسناء النحيلة التي رسمها العندليب الأسمر في الشتاء
    تمر مسرعة في ميدان التحرير ..ترتدي الترانشكوت الكريمي والياقة العالية
    ترمقنا بابتسامة قاتلة في السبعينات ثم تذهب بعيدا في الحلم إلى غير رجعة..
    في الجمعة فقط شاهدناها في ميدان التحرير بعد غياب ثلاثين سنة .....تعود في زواياه البعيدة
    فجددنا البيعة على الحب القديم وتبنا عن السكون

    في الجمعة فقط فتحت السماء المعبر من جديد
    في الجمعة فقط تهاوى بوش العرب في عقد بعيد... لعل الزمن ينجيه من ثورة العبيد.