فساد وحرب عصابات في التعيينات الأمنية الإسرائيلية

تم نشره في الجمعة 11 شباط / فبراير 2011. 02:00 صباحاً

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تتخبط إسرائيل منذ عدة أشهر، في مسألة تعيين قادة الأجهزة الأمنية والاستخباراتية العليا، وما يتبع ذلك من تعيينات بدرجة أقل ولكنها ذات أهمية قصوى. وقد شهدنا في هذه الأشهر سلسلة من الفضائح، منها ما يتعلق بقضايا فساد، ومنها ما هو مرتبط بما يمكن تسميته حرب عصابات تتربص ببعضها. وهذا يعكس جانبا من طبيعة نظام الحكم الإسرائيلي، فإسرائيل التي تتغنى "بديمقراطيتها"، يُتكشف يوما بعد يوم مدى تفشي الفساد فيها، الذي له أيضا انعكاسات سياسية.

فقد تزامن عن طريق الصدفة، انتهاء ولايات رئيسي جهازي المخابرات العامة "الشاباك"، والاستخبارات الخارجية "الموساد"، كما رئيس أركان الجيش، ومعه بالتالي رئيس جهاز المخابرات العسكرية، وقائد الشرطة، وتحت كل واحد من هذه المناصب هناك مناصب أخرى ذات شأن كبير، يتغير غالبية المكلفين بها مع تغيير المسؤول الأول في الجهاز.

ودارت المعركة الأبرز حول منصب رئيس أركان الجيش. وقد بدأ هذا قبل عدة أشهر، حينما تم الكشف عن رسالة مزورة، تتضمن حياكة مؤامرات للإيقاع بين كبار الضباط ووزير الحرب، وأدعي في حينه أن صاحب الرسالة هو المرشح الأقوى لتولي رئاسة الأركان يوآف غلانت، إلا أنه سرعان ما تكشف زيف الرسالة، وجرى تعيين غلانت.

ولكن ما هي إلا أسابيع قليلة جدا، حتى تكشفت قضية فساد تتعلق بالجنرال غلانت، إذ استولى على أرض مُلك عام، وضمها لأرض بيته. كما أن هناك شكوكا حول كيفية حصوله على 35 دونما من كروم الزيتون "من الدولة"، وهي بطبيعة الحال أرض عربية مصادرة، إذ إن الدولة لا تزرع كروما كهذه. وطالت القضية وتشعبت، وتورط غلانت بإفادة كاذبة، أدت إلى الإطاحة به، وتعيين آخر بدلا منه.

ولم يكن المرشح لتولي منصب قائد الشرطة يوحنان بنينو أفضل حالا، فقد جرى التحقيق معه حول تقديمه تسهيلا لأحد أفراد عصابات الإجرام، خلال توليه أحد مناصبه في الشرطة، وقررت النيابة أن لا أساس للقضية، وتم تثبيت تعيينه.

ومن حين إلى آخر، كانت وسائل الإعلام الإسرائيلية تورد تقارير مختلفة حول صراعات بين ضباط كبار في الأجهزة المختلفة، وكما يبدو في إطار حرب مناصب.

لا تستطيع إسرائيل الرسمية الادعاء بأن هذا يعكس شفافية الحكم، لأن كثرة ملفات الفساد التي تفتح سنويا ضد كبار المسؤولين السياسيين والإداريين وغيرهم، يطرح أسئلة أخرى حول حجم الفساد المستشري في سدة الحكم ومحيطه، فقد بات من الصعب إحصاء عدد الوزراء والنواب والضباط وكبار المسؤولين الذين إما نهبوا أو تلقوا رشاوى أو اغتصبوا وتحرشوا جنسيا، وقبعوا في السجون أو ما زالوا فيها، أو أنهم في الطريق اليها، وبينهم وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان. ووصل الأمر مطلع هذا الأسبوع إلى المستشار القضائي للحكومة، بصفته المدعي العام الأعلى، بشبهة أنه وزوجته قاما بتشغيل عامل مهاجر بشكل غير قانوني في بيتهما.

والانطباع السائد، أنه توجد لقسم كبير من أولئك الذين يدورون في فلك السلطة، ولمرشحين للوصول إلى المناصب العليا على مختلف مستوياتها، ملفات فساد في قضايا مختلفة، وهناك من يعلم بهذه القضايا ويسكت عنها مرحليا، إذ يتم سحب الملف في الوقت المطلوب، إما لإفشال التعيين، أو لإسقاطه من منصبه في حال "أغضب" جهة ما على علم بقضيته، مثل الشبهة التي وجهت للمستشار القضائي، فهي قد تكون "خفيفة"، ولكنها وخزة تحذير له.

ولتعفن نظام الحكم هذا جانب سياسي أيضا، فعدد لا بأس به من المتورطين بقضايا فساد تشبثوا بمواقف متطرفة جدا، كي يقولوا لاحقا إن "أذرع اليسار" في جهاز النيابة قررت الإطاحة بهم بسبب مواقفهم اليمينية. وآخر هذه النماذج، كان ليبرمان، الذي قال قبل أسبوعين إنه يصر على ملاحقة التنظيمات اليسارية التي تتابع جرائم الاحتلال، وأنه يعلم أن جهات في النيابة "ستنتقم" منه بسبب مواقفه.

وبالعودة إلى التعيينات الأخيرة، فقادة الأجهزة هؤلاء، الذين وصلوا إلى مناصبهم بعد تحقيقات وشبهات كهذه أو تلك، يحملون معهم "ديْنا" لهذه الجهة السياسية أو تلك، التي أوصلتهم إلى مناصبهم، وسيكون عليهم تسديد الثمن من خلال نهج يرضي هذه الجهات. ولأن اليمين المتطرف يواصل إحكام قبضته على نظام الحكم في إسرائيل، فالاعتقاد الأقوى هو أن هذه الجهات هي صاحبة قرار في هذه التعيينات، بمعنى أنها هي صاحبة الدَيْن، الذي على القادة الجدد تسديده.

barhoum.jaraisi@alghad.jo

 

التعليق